اتجاهات حديثة في تعليم العربية

5 /10/ 2017

كيف تبحث في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها (4 / 4)

تناولنا في الحلقات السابقة خطوات أساسية في البحث العلمي في مجال العربية للناطقين بغيرها وهي من أين تحصل على أفكار بحثية، وما مواصفات الموضوع المناسب، والقراءة حول الموضوعات المناسبة..  ثم كيف تختار المؤسسة التي سوف تدرس فيها والمشرف الذي سيرافقك في رحلة البحث وكيف تحدد معه موضوع الدراسة وكيف نكتب الخطة.. والدراسات السابقة من حيث أنواع الأوراق العلمية والموضوعات المطلوب تجميع دراسات حولها وأين تجد هذه الدراسات السابقة.. في هذه الحلقة الأخيرة نتحدث عن فهرسة المعلومات والاحتياطات التي على الباحث الأخذ بها والأدوات التي لابد أن يمتلكها ليسير بشكل ناجح في رحلته البحثية.

حادي عشر – فهرسة المعلومات:

قديما كانت المشكلة في الحصول على المعلومة، والمشكلة الآن في كثرة المعلومات وصعوبة التعامل مع هذا الطوفان المعلوماتي، ومن ثم فعليك فهرسة ما تحصل عليه من ملخصات ومواد ستفيدك في بحثك، وقم بعمل "مجلدات" على الحاسوب، يمثل كل مجلد منها مبحثا في بحثك، بحيث يسهل الرجوع إليه عند الحاجة، وفي كل فترة ستجد أن عليك إعادة الفهرسة بما يتناسب مع مسيرة البحث الذي قد تطرأ عليه العديد من التعديلات بزيادة خبرتك وكثرة تجاربك ونصائح أساتذتك وزملائك.

ثاني عشر - الاحتياطات:

أ - "لا تضع البيض كله في سلة واحدة". لا بد أن يكون عندك أكثر من نسخة للمواد البحثية التي تجمعها والفصول التي تنجزها، فقد يصيب حاسوبك أي عطب يأتي على كنزك البحثي، ووقتها لا بد أن ترجع للنسخ الأخرى على هاتفك أو قرص متحرك أو ذاكرة "فلاش ميموري" أو أي موقع من مواقع حفظ الملفات كموقع درايف على غوغل مثلا.. وبعض الباحثين يحفظ نسخة من بحثه لكنه ينسى أي الملفات أحدث، فيضيع جهده باستخدام ملفات يكتشف بعد ذلك أنها قديمة، ولذلك فعليك أن تؤرخ ملفاتك ولا تكتفي بالتاريخ الذي يضعه الحاسوب للملفات حتى تستطيع أن تعرف أيها أحدث.

ب- كثير من الباحثين ينسى أن يسجل بيانات المرجع الذي استعان به، أو يكتب المعلومات ناقصة، فلا بد أن تسجل اسم المرجع والكاتب والناشر ودولة النشر وتاريخه ورقم الصفحة، وتحتفظ بها تحت المعلومات التي نقلتها إلى أن تصل لمرحلة التنسيق فتكتب المراجع حسب نظام الجامعة أيا كان بنظام جمعية علم النفس الأمريكية أو شيكاغو أو جمعية اللغات الحديثة أو غيرها.

ج – حاول أن تقرأ وتتدرب على كيفية الاقتباس حتى لا تجد نفسك متهما بتهمة الانتحال -نقل نصوص من الغير دون إشارة- وأنت سليم النية. واعلم أن الجامعات تضع نسبا للاقتباس من الغير وأن لديها برامج تكشف الاقتباس وإذا زاد النقل عن نسبة معينة –تحددها الجامعة– فلن يمر بحثك للجنة المناقشة وسيطلب منك معالجة بحثك مرة أخرى لتقليل النسبة المقتبسة، ولذا أنصحك بأن تتعلم كيف تقتبس في بداية رحلتك البحثية.

ثالث عشر - عُدَّة الباحث

اللغة الإنجليزية والبحث العميق على الإنترنت والقراءة السريعة وشبكة العلاقات، أدوات مهمة لأي باحث وبدونها قد لا تستطيع أن تحقق ما تأمل.  فبدون الإنجليزية يصعب أن تنجز شيئا رائدا في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وهذا ليس شعورا بالنقص ولا بـ"عقدة الخواجة" ولكن لأن البحث العلمي في تعليم الإنجليزية يسبق العربية بأعوام كثيرة ومن ثم فمن الضروري أن ترى ماذا أنجز الآخرون وتبني عليه، وحتى لا تظنني متحاملا على بني قومي أضرب لك مثالا: في الوقت الذي توصي فيه المؤتمرات -منذ ثلاثين عاما وحتى آخر مؤتمر انعقد هذا العام2017م- بإعداد اختبار كفاءة لغوية عالمي في تعليم العربية فإن اختبار الكفاءة في اللغة الإنجليزية TOEFL  نشر للمرة الأولى في بدايات الستينيات ويمتحن فيه سنويا أربعة ملايين إنسان واختبار IELTS يمتحن فيه قرابة مليونين.. وفي الوقت الذي نسعى فيه لدراسة فعالية استخدام الحاسوب في فصول اللغة فإن غيرنا يبحث في تصحيح المقالات الإنجليزية آليا! ولذلك يصعب أن تبحث في هذا المجال دون الاستفادة مما أنجزه باحثو الإنجليزية.

ولا يمكن أن تصل لتلك البحوث القيمة دون قدرة على البحث العميق على الإنترنت والسعي –أحيانا- للحصول على النصوص الكاملة لتلك البحوث بأكثر من طريقة.

العدة الثالثة هي القراءة السريعة، فستقابل معلومات كثيرة لا يمكن أن تقرأها كلمة كلمة ولذا فلا بد أن تتعلم إستراتيجيات القراءة السريعة التي تمكنك من قراءة صفحات كثيرة في أوقات قصيرة.

ستحتاج إلى كتب وتحتاج إلى رأي باحثين آخرين وستحتاج إلى تحكيم أدوات دراستك لدى الخبراء وستحتاج إلى دخول مؤسسات لإجراء دراسات ميدانية، كل هذا يتطلب منك شبكة علاقات تسهل مهامك وتفتح لك العديد من الأبواب وأفضل مكان لبناء هذه الشبكة هو حضور الفعاليات البحثية كحلقات البحث والندوات والمؤتمرات المتخصصة، ولا تنس نية "طلب العلم" في كل ما تفعل وعاهد الله أن تبذله فيما يفيد وتعطيه لتلاميذك يوما ما.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

25 /9/ 2017

كيف تبحث في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها (3/ 4)

تناولنا في الحلقتين السابقتين خطوات أساسية في البحث العلمي في مجال العربية للناطقين بغيرها وهي مصادر الأفكار البحثية، ومواصفات الموضوع المناسب، والقراءة حول تلك الموضوعات المناسبة..  ثم كيف نختار المؤسسة التي سوف ندرس فيها والمشرف الذي سيرافقنا في رحلة البحث وكيف نحدده معه موضوع الدراسة وكيف نكتب الخطة..

وفي هذا المقال سوف نتحدث عن الدراسات السابقة.

ثامنا – الدراسات السابقة "الموضوعات"

وأنت تكتب خطتك تحتاج للاطلاع على جهود الباحثين في الموضوعات المرتبطة ببحثك، وحتى تحدد ما الذي يجب أن تبحث فيه عليك بتجزئة عنوان بحثك إلى موضوعات فمثلا لو قلنا "منهج مقترح لتعليم العربية لأغراض دبلوماسية "فهذا العنوان يتضمن موضوع "منهج اللغة الأجنبية" وموضوع "العربية لأغراض خاصة" و"العربية لأغراض دبلوماسية" ومن ثم فعليك أن تبحث عن الدراسات المتعلقة بهذه الموضوعات الثلاثة. وإذا قلنا "بناء اختبار محوسب للكفاءة في العربية بوصفها لغة أجنبية" هذا العنوان يتطلب منك البحث في الدراسات المتعلقة بــ"الاختبارات اللغوية" و"اختبارات الكفاءة العربية وغير العربية" و"الاختبارات المحوسبة".

والسؤال الذي يسأله الباحث "أنا وجدت دراسات سابقة بالفعل لكن لا أعرف ماذا أفعل بها"!!!

عليك أن تبحث عن منهجية تعامل الباحثين مع مشكلات بحوثهم، ما الإجراءات التي ساروا عليها في الإجابة عن أسئلتهم البحثية، وكيف صاغوا الفروض البحثية، وما الأدوات البحثية التي استخدموها وكيف قننوها "الصدق والثبات"، وما النتائج التي توصلوا إليها وكيف ستفيدك في بحثك، وما التوصيات التي أوصوا بها والتي يمكن أن تدعمك في التأكيد على أهمية دراستك. ولا تقصر قراءتك على التلقي بل لابد أن يكون لك رؤية نقدية فيمكن أن ترى أن المنهجية غير سليمة أو أن العينة غير مناسبة للبحث أو أن التحليل الإحصائي به خلل أو أن النتائج غير منطقية، ولو كان هناك تشابها كبيرا بين دراسة ما ودراستك فعليك أن توضح ما الجديد الذي ستأتي به ولم تأت به الدراسة السابقة.

كما أن من أهم الأشياء التي نعثر عليها في الدراسات السابقة المراجع التي استند إليها الباحثون السابقون لأنك ستحتاجها في بحثك أيضا، وأقترح عليك القراءة عن "كيف نتناول الدراسات السابقة".

تاسعا – الدراسات السابقة "الأوراق العلمية"

هناك أنواع من الأوراق العلمية الأساسية التي تستند إليها الدراسات السابقة وهي رسائل الماجستير والدكتوراه، والمقالات العلمية المنشورة في الدوريات العلمية، وبحوث المؤتمرات، وتستمد كل ورقة مما سبق قوتها من اسم الباحث ونوعها والجهة الناشرة. فبعض المؤتمرات شديدة الضعف ولا تستحق النظر إلى سجلاتها، وبعض الدوريات شديدة الأهمية وتنشر أوراقا عالية القيمة، ومن الجدير بالذكر أن على باحث العربية أن يهتم بالدراسات المنشورة بلغات أخرى خاصة اللغة الإنجليزية، فالباحث في "تصميم منهج للعاملين في القطاع الطبي" مثلا عليه أن يرى ماذا أنجز الآخرون في تحليل الاحتياجات اللغوية للعاملين في هذا القطاع بغض النظر عن لغتهم. كما أن الورقة العلمية كلما كانت حديثة كلما كانت أهم، إلا إذا كان الباحث يقوم بدراسة تاريخية أو دراسة مسحية لمجال ما. وليس لازما الحصول على كل النصوص الكاملة للدراسات السابقة إلا إذا كانت قريبة الصلة جدا بموضوع البحث، وأحيانا يكفي الاطلاع على الملخص للاستفادة من الدراسة.

عاشرا– الدراسات السابقة "المصادر"

فإذا حدد الباحث الموضوعات التي يريد جمع المعلومات عنها فعليه أن يصل إليها في مصادرها، وقد جرت العادة على زيارة مكتبات الدراسات العليا، وفي ظل أن بعض هذه المكتبات تغلق في بعض دولنا العربية الساعة الثانية ظهرا، وأن بعضها يخلو من ماكينات التصوير فعلى الباحث أن يوسع من دائرة بحثه كالأمم المتحضرة بالاعتماد على قواعد بيانات البحوث العلمية.. وقد فوجئت بأن بعض الباحثين يحصلون على درجة الدكتوراه دون أن يعرفوا ما هي قواعد بيانات البحوث!! هذه القواعد هي عبارة عن فهرس ضخم للدوريات العلمية وتقدِّم للجمهور الملخصات، وتسمح للمشتركين بالاطلاع على النصوص الكاملة.

والخطوة الأولى للاطلاع على البحوث هي البحث في المحرك العلمي لغوغول Scholar أو أي موقع مماثل له ستظهر لك النتائج المرتبطة بالعبارات المفتاحية لبحثك، وعند الضغط عليها ستقودك الروابط لقاعدة البيانات، فتطلع على الملخص وإن أردت الاطلاع على النص الكامل فعليك الدخول من خلال بيانات اشتراك جامعاتك، حيث تشترك الجامعات في بعض هذه القواعد –لا كلها – بما يسمح لك بالوصول لكنوز العالم.

كما أن هناك بعض قواعد البيانات العربية مثل "دار المنظومة" و"المنهل" وغيرها، وهناك موقع "شمعة" للبحوث التربوية العربية الذي لا يتطلب اشتراكا.

وفي مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها عليك بزيارة -عبر الإنترنت- لمكتبات الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ومكتبة معهد الإمام محمد بن سعود، ومكتبة معهد المدينة المنورة لتجد ملخصات لمئات من رسائل الماجستير والدكتوراه في تعليم العربية للناطقين بغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
18 /9/ 2017

كيف تبحث في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها (2/ 4)

 تناولنا في الحلقة السابقة خطوات أساسية في البحث العلمي في مجال العربية للناطقين بغيرها وهي كيف نحصل على أفكار بحثية، وما مواصفات الموضوع المناسب، والقراءة حول تلك الموضوعات المناسبة.. وفي هذه الحلقة نواصل رحلتنا مع الاستعداد للبحث في هذا المجال.

رابعا- اختيار الجامعة:

 انتشرت في الآوانة الأخيرة دكاكين لمنح الدرجات العلمية، وسمعنا عن شهادة دكتوراه تُمنح في ستة أشهر بمناقشة صورية ومجموعة صور لاستلام الشهادة، وعند البحث تجد أن هذه الجامعة وهمية وهي مجرد "دكان" في دولة ما وغالبا لا تستطيع أن تصل لمقرها الأصلي، وللأسف شهادات هذه الجامعات عندما تحصل عليها لا تستطيع أن تعمل بها لا في بلد المؤسسة نفسها ولا في بلدك؛ لأنه لا أحد يعترف بها، وإلى أن يكتشف ذلك يكون صاحب الدكان حصد له عدة ملايين من الدولارات ولا عزاء لعشاق الألقاب. ولذلك عليك بالالتحاق بمؤسسات معروفة ويفضل أن تسأل في وزارة التعليم في بلدك عن الاعتراف بهذه المؤسسة التي تنوي الالتحاق بها.. وإذا كانت المؤسسة معترفًا بها في بلدها الأصلي فيمكن عادة السير في إجراءات المعادلة في بلدك.. وبعض الدول تشترط أن تُقِيمَ في الدولة التي منحتك الشهادة عدة أشهر وأن يُثبت ذلك في جواز سفرك، فانتبه لكل ذلك حتى لا تضيع وقتك ومالك.

خامسا –اختيار المشرف:

المشرف المثالي هو الذي لديه خبرة بموضوع بحثك ولديه وقت للقراءة ويمكن التواصل معه بسهولة ويقبل المناقشة والحوار ولديه إنجازات في البحث اللساني، وعمل في التدريس داخل صفوف غير الناطقين بالعربية، وهذا المشرف بتلك المواصفات وجوده أشبه بوجود العنقاء والخل الوفي، فمن الصعب أن تعثر عليه، فلو كان متميزا بهذا الشكل فلن تجد لديه وقتا للقراءة، وقد تنتظره لأسابيع أو شهور لكي يقرأ جزءًا من بحثك. ومن ثم فعليك أن تفاضل بين المشرفين وتختار الأقرب لتخصصك والأكثر خبرة بحثية كأولوية وتصبر على باقي الخصائص إن لم تكن متوفرة فيه. أما إذا كنت تدرُس في كلية من التي توزع الطلاب على المشرفين دون مراعاة لاختيار الطالب فالله معك، حيث سيتطلب ذلك جهدا مضاعفا للتأكد من الخطوات التي تسير عليها من أساتذة آخرين خارج نطاق الإشراف الرسمي وهذا أمر ليس سهلا وإن كان متاحا إن استطعت تكوين شبكة علاقات في المجال وهو ما سنوضحه لاحقا.

سادسا – تحديد الموضوع:

ستقابل المشرف وتعرض عليه عدة أفكار بحثية وترتبها حسب ميولك، واحرص على الإيجاز، وحاول أن تعرض كل فكرة فيما لا يزيد عن نصف صفحة، الفكرة في سطرين مع سؤال البحث الرئيس وأهمية هذا البحث. وكن مستعدا لأسئلة المشرف "هل لديك فكرة عن هذا الموضوع؟ هل هناك دراسات سابقة فيه؟ من أين ستأخذ العينة؟ ما فائدة هذا الموضوع؟".. وعندما يقول لك المشرف المتخصص "إن هذا الموضوع صعب أو غير مفيد أو مستهلك" فهو لا يتحداك ولا يريد أن يحرم البشرية من إبداعاتك أو يحقد على نبوغك المستقبلي، بل الأغلب أنه تعرض لهذا الموضوع من قبل ويرى أنه من غير المناسب أن تتورط فيه.

سابعا – كتابة الخطة:

الخطة هي تعريف ببحثك والخطوات التي سيسير عليها، ويختلف ترتيب عناصر الخطة من مؤسسة لأخرى وأحيانا بعض المؤسسات تطلب تقديم فهرس البحث، وأخرى تزيد إرفاق الدراسات السابقة بالخطة، وبغض النظر عن ترتيب العناصر، فأي خطة ينبغي تشتمل على مقدمة وتعريف بأهمية البحث ومشكلة البحث ومجتمع البحث وسؤال البحث الرئيس والأسئلة الفرعية وأدواته وأهدافه والمصطلحات الرئيسة له، والخطوات التي سيسر عليها. واحرص أن تكون مشكلة البحث وأسئلته واضحة ومحددة حتى لا تجد نفسك في بحر بلا شطآن.

وللحديث بقية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 /9/ 2017

كيف تبحث في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها (1/ 4)

بينما كان أستاذي د. رشدي طعيمة - رحمه الله- جالسا يقرأ ما زعمت أنه خطة الماجستير، كنت أتنزه بين أرفف مكتبته، فقال رحمه الله مازحا: هل قرأت هذه الأوراق التي أعطيتها لي؟ قلت: "طبعا يا أستاذنا.. لكن بعد ما قرأتها شعرت أنها خواطر". فضحك وقال: "جيد أنك تعلم.. أنا شعرت كأنك كتبت مقالا لجريدة".. جلست إلى جواره وقلت له:"أستاذنا لقد قرأت ثلاثة كتب في مناهج البحث بالإضافة لدراستي لها في الدبلوم التربوي الخاص لكن لا أعرف لماذا لم تخرج الخطة بشكل سليم!!" .. فضحك رحمه الله وقال: "لو قرأت كتابا عن السباحة هل تستطيع أن تسبح؟" .. فقلت: لا طبعا.. فقال أستاذنا: "هكذا البحث العلمي لابد أن تبحث حتى تتعلم البحث".

***

دائما أسمع من الباحثين عبارات مثل " أنا تائه".. "لا أعرف هل اخترت موضوعا مناسبا أم لا".. "هل خطتي للبحث سليمة؟" .. "هل من الممكن أن تختار لي موضوعا للماجستير؟".. وهكذا إلى هذه النوعية من الأسئلة التي تشير إلى ضبابية الرؤية..

يتناول هذا المقال خطوات مقترحة للباحثين المبتدئين في تعليم العربية للناطقين بغيرها للسير في رحلة البحث العلمي.

أولا – مصادر الأفكار:

تعتبر رسائل الماجستير والدكتوراه ومقالات الدوريات العلمية وبحوث المؤتمرات مصدرا أساسيا لأفكار البحوث حيث ستجد في نهاية البحث توصيات ببحوث أخرى، يمكن أن تجمعها وتختار منها ما يناسب ميولك، ثم تناقشها مع الباحثين الأخبر منك ثم تعرضها على المشرف، كما أنك قد تغير المستوى أو الفئة أو الهدف، فلو رأيت مثلا بحثا عن "تعليم العربية لأغراض سياحية".. فيمكن أن تعمل "تعليم العربية لأغراض تجارية".. ولو كان البحث عن طلاب المدارس الثانوية، فيمكن عمل البحث عن طلاب المدارس الابتدائية.. ولو كان البحث حول المستوى المتوسط حسب الإطار المرجعي فيمكن عمل بحث حول المستوى المتقدم حسب معايير المجلس الأمريكي.. وهكذا.

ثانيا – الموضوع المناسب:

أغلبنا في بدء رحلته البحثية يريد أن "يأتي بما لم يأت به الأوائل" وينتهي الأمر به بعد سنوات ليسأل "ما هذا الذي فعلته في نفسي.. ومتى ستنتهي هذه الملحمة؟!!".

من الضروري أن يكون البحث ممكنا، وأن تكون عينة البحث يسهل الاتصال بها.. فبحث حول "تعليم العربية لأغراض عسكرية" أو "أمنية" لا يمكن أن تنجزه إلا إذا كان لديك اتفاق قانوني مع جهات عسكرية أو أمنية، بدون ذلك لن تجد عسكريين أو شرطيين أجانب يتطوعون للإدلاء بمعلومات عن دراستهم للعربية.

ومن الضروري أن تكون هناك مصادر علمية متوفرة للموضوع الذي تبحث عنه، وأن يقدم البحث جديدا للعلم ولا يكون موضوعا مستهلكا كتِبت عنه عشرات البحوث والمقالات من قبل.

ثالثا – القراءة حول الموضوعات المناسبة:

كثير من الباحثين يتعجل التسجيل ويريد أن ينتهي بسرعة، فيقدم خطة دون قراءة كافية حول الموضوع والإلمام بأبعاده، وهو يظن أن اللجنة العلمية التي تجيز خطط البحوث تعلم كل شيء وأنهم ما داموا قد وافقوا فإن طريقه معبدة وواضحة وميسرة.. وهذا قد لا يكون صحيحا في أغلب الأحيان..

كما أن تلك العجلة تجعل الباحث أحيانا يتورط في أمور أكبر من إمكاناته، أو حجم العمل المطلوب أكبر من بحث تكميلي في الماجستير أو الدكتوراه، أو يجد نفسه أمام موضوع معقد لا تتوفر له مراجع أو يصعب التواصل مع عينته.. ومن ثم فالأفضل أن يتريث الباحث ويقرأ عن الأفكار التي يميل إليها قبل أن يأخذ قرارا بتقديم خطته للمؤسسة التي سيدرس فيها.

(وللحديث بقية)... 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

31 /5/ 2017

كيف تصبح معلما للعربية للناطقين بغيرها (2/2)

 عرضنا في المقال السابق طبيعة هذا المجال ومميزاته وعيوبه، وكيف نبدأ وأين نتدرب وكيف نبحث عن عمل في المدارس والجامعات.. وفي هذا المقال نتناول الحد الأدنى للجانب المعرفي المطلوب للبدء في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها.

هناك أربعة جوانب أساسية:

أ – الجانب اللغوي            ب – الجانب التربوي        

ج – الجانب الثقافي                  د- الجانب التقني

 

أولا – الجانب اللغوي:

بدون هذا الجانب لا يمكن أن تعمل معلما للغة العربية، فهذا بالضبط مثل الشخص الذي يريد أن يعمل جَرَّاحًا دون أن يحرك يديه ودون أن يعرف شيئا عن تشريح جسم الإنسان. والجانب اللغوي له شقان: شق الأداء وشق المعرفة. الحد الأدنى للأداء أن تستخدم العربية بدون أخطاء، أما على المستوى المعرفي فإذا كنت متخرجا في قسم اللغة العربية في جامعة ما فإتقان ما درسته يكفيك في هذا المجال، أما إذا كان تخصصك الأصلي في مجال آخر فلابد أن تكون لديك أساسيات القواعد "النحو والصرف" ، وكحد أدنى عليك دراسة كتاب "القواعد الأساسية في النحو والصرف" أو أي كتاب مماثل وهو يمثل النحو المقرر على المرحلة قبل الجامعية، وإتقان أبواب هذا الكتاب يكفيك في تدريس العربية لأغراض عامة حتى نهاية المستوى المتوسط الأدنى، أما إذا كنت تدرس مستويات متقدمة أو تدرّس العربية لأغراض إسلامية أو أدبية أو قراءة المخطوطات فتحتاج إلى أن تنهي مرجعا أعمق ككتاب "النحو المصفى" للدكتور محمد عيد مثلا أو ما في مستواه وقد يفيدك في هذا الاختيار أساتذة النحو أفضل مني.

هناك أيضا جوانب مهمة وهي الإلمام بفروع البلاغة الثلاثة البيان والمعاني والبديع ويكفيك في هذا كتاب مثل "البلاغة الواضحة" لعلي الجارم، وإطلالة سريعة على تاريخ الأدب تعرف فيها العصور الأدبية وسمات الأدب في كل عصر وأهم الأغراض وأشهر الشعراء. ويمكن في هذا مطالعة سريعة لمقتطفات من موسوعة "تاريخ الأدب العربي" للدكتور شوقي ضيف.

إن عمق القراءة والاطلاع المطلوب في هذا المجال مرتبط بالمستويات التي سوف تدرسها وخصائص وأهداف طلابك، فالطالب الذي يدرس العربية لأغراض طبية مثلا لا يحتاج إلى تاريخ الأدب في شيء، وإذا كان طلابك يريدون أن يتتبعوا ظاهرة أو غَرَضًا ما في  الأدب العربي في مراحل تاريخية مختلفة فهنا لابد أن تكون قويا في الأدب وتاريخه والبلاغة وعلومها.. وقد يكون طلابك مهتمين بمتابعة الأخبار الاقتصادية وهنا لن يحتاجوا إلى البلاغة ولا الأدب ولكنهم قد يحتاجون إلى فهم كيفية استخدام الناس للمجاز والاستعارات والكنايات دون الدخول في أي مصطلحات بلاغية.. أو قد يكون المتعلم يسعى لأن يعمل في التجارة ويحتاج إلى العربية لإجراء مفاوضات مباشرة مع التجار وهذا لن يحتاج الفصحى أصلا والأفضل له أن يتعلم العامية.

ثانيا – الجانب التربوي:

تعليم أي شيء هو "تعليم" ولذلك يحتاج القائم على التعليم إلى أن يتعلم كيف يُعَلِّم، يمكنك أن تقول "إنني يمكنني التعليم بموهبتي"، وهذا صحيح يمكن أن تعلم اعتمادا على موهبتك لكن المشكلة أن الموهبة هذه لن تعلمك معايير التقييم اللغوي أو بناء جدول مواصفات امتحان أو كيف تميز بين الاختبار التصنيفي والتشخيصي والكفاءة، بل سيكون تقييمك لأي كتاب بعبارة "أنا أستريح له"! بدون أي تحليل علمي لعناصر الكتاب ومدى تحليها بأسس بناء الكتب التعليمية.

أنصح هنا بمجموعة من الكتب المرجعية وبعضها متوفر على الإنترنت.. هناك طبعا ما هو أحدث منها لكن هذه الكتب ميزتها أنها تغطي جوانب واسعة في هذا المجال..

- في الخريطة العامة للمجال: المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى (ج 1، 2) للدكتور رشدي طعيمة.

- في الاختبارات: الميسر في الاختبارات – محمد عبد الخالق فضل.

- في تدريس المهارات: تدريس فنون اللغة – د.علي مدكور.

- في طرق التدريس: أساليب ومبادئ تدريس اللغات – ديان لارسن فريمان.

- وعن المعايير العالمية للتقييم اللغوي Actfl, Cefr, FSI : في مدونتي هذه، وفي مدونة صديقي د. خالد أبو عمشة على هذا الموقع "الجزيرة".

وأقترح عليك أن تقرأ عن إدارة الصفوف اللغوية، وتوظيف التقنيات الحديثة في تعليم اللغات.

ثالثا- الجانب الثقافي:

تُعَرَّف الثقافة بأنها "الأسلوب الكلي لحياة الجماعة، الذي يتسق مع تصورها العام للألوهية والكون والإنسان والحياة". (علي مدكور،2003، 27) ومن ثم فعليك أن تعرف الخطوط الرئيسة المعبرة عن هذا التعريف، حيث يحتاج معلم العربية للناطقين بغيرها إلى فهم ثقافتنا العربية الإسلامية، بالإضافة إلى ملامح من ثقافات الشعوب التي تدرس طلابها.

وأقترح عليك هذه الكتب:

- التربية وثقافة التكنولوجيا: علي مدكور- 2003 – دار الفكر العربي – مصر.

- الأسس المعجمية والثقافية: د. رشدي طعيمة -  1982 - جامعة أم القرى – السعودية.

- الثقافة وعصر المعلومات: نبيل علي - 2001 - عالم المعرفة – الكويت.

 

رابعا - الجانب التقني:

نحن الآن في عصر التقنية، ونحمد الله أن مهنة المعلم ما زالت موجودة في ظل هذا الانفجار الإلكتروني الذي يطيح كل عام بعشرات المهن ويحل محلها برامج حاسوبية أو أجهزة آلية. نحن ندرّس لجيل وُلِد في بيئة تسيطر التقنية على أغلب مناشطها، ومن ثم فلا يمكن أن يأتي إلى الصف ويتحول عالمه إلى عالم "أوف لاين" ولذلك على المعلم أن يطور من كفايته التقنية عبر إتقان عدد من المهام التقنية وأهمها:

- البحث السريع على الإنترنت.

- تحميل الملفات من مواقع الفيديو: كاليوتيوب وغيره.

- استخدام البريد الإلكتروني.

- استخدام برنامج تحرير المستندات مثل word.

- استخدام برامج تحويل المستندات إلى PDF مثل: PDF creator.

- استخدام برنامج للعروض التقديمية مثلPowerPoint .

- استخدام برنامج لتحرير الصور مثلpaint .

- استخدام برنامج لتحرير الصوت: wave editor.

- استخدام مواقع حفظ الملفات مثل Drive , drop box.

أغلب ما سبق بسيط جدا ويفترض لأي إنسان في هذا العصر أن يستطيع التعامل مع هذه المهام، وهناك الآن عدد كبير من التطبيقات التي تعمل على نظام أندرويد وتسهل من مهام المعلم وتزيد متعة الطلاب يمكنك القراءة عنها في المواقع المعنية بتقانات التعليم..

 

مع القراءة والمذاكرة حاول أن تبحث عن مكان تتدرب فيه لأنه بدون ممارسة فلن تشعر بأنك تعلمت كثيرا، وستشعر بأنك مثل الذي يقرأ كتابا عن السباحة دون أن ينزل الماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 /5/ 2017

كيف تصبح معلما للعربية للناطقين بغيرها (1 /2)

انتشرت في السنوات الأخيرة مهنة "معلم العربية للناطقين بغيرها"، وذلك لأسباب عديدة ربما يكون من أهمها الهروب من تردي التعليم في مؤسسات تعليم العربية لأهلها، والسمعة –غير الصحيحة– بأن هذه المهنة تتيح كسبا كثيرا، بالإضافة لرونقها في أنها تتعامل مع جنسيات ومستويات عمرية ومهنية مختلفة. في هذا المقال نحاول الإجابة عن سؤال متكرر "كيف أصبح معلما للعربية للناطقين بغيرها؟" من أين وكيف أبدأ؟

بداية قبل أن تدخل هذا المجال لابد أن تتأكد من أن هناك حاجة لهذه المهنة في بلدك، أو أنك ستستطيع أن تسافر لتعمل في بلد آخر، ولا تخدعك إعلانات مراكز اللغات وتنفق أموالك على التدريب ثم تفاجأ بأن هذه المؤسسات التي دربتك لم تجد طلابا ليدرسوا فيها وأنها اتجهت لتأهيل معلمين دون أن يكون هناك حاجة في "السوق" لهم.

أيضا قبل أن تدخل هذه المهنة اعلم أنها تتأثر بما يحدث في العالم سلبا وإيجابا أكثر من غيرها.. فمثلا قبل الحادي عشر من سبتمبر كان جمهور العربية أغلبه من طلاب العلوم الإسلامية، لكن بعد تلك الأحداث تضاعفت أعداد الطلاب سواء مَن يدرسون العربية لتعلم الإسلام أو مَن يدرسونها لأسباب أخرى سياسية أو اقتصادية أو تنموية أو استخبارية ... إلخ وهذا مظهر إيجابي.. والعكس حدث مع انتصارات الثورات المضادة في دول الربيع العربي حيث تراجعت أعداد الطلاب الذين يأتون للدراسة في العالم العربي تراجعا مخيفا أدى لخروج العديد من المؤسسات من المجال نفسه.. مثال آخر اهتمام الحكومة التركية باللغة العربية أتاح مئات –إن لم تكن آلافا من الفرص للمعلمين السوريين وغيرهم في الجامعات والمدارس والأوقاف والجمعيات التركية، كما أن موجات هجرة السوريين للغرب أدت لارتفاع الطلب على المترجمين في البلاد التي هاجروا إليها كألمانيا وصربيا ورومانيا.. ومن ثم فقد يأتي حدث دولي يرفع من فرصك في العمل بشكل كبير وأيضا قد يحدث أمر يؤدي لإغلاق المجال في بلدك بشكل حاد وهكذا، فهي مهنة تتأثر بما يحدث في العالم خلافا لمدارس العربية لأهلها الذي يسير عملها -غالبا- دون توقف إلا في الإجازات.

فإذا تأكدت من أن هذا المجال له مستقبل في بلد أو في غيره من البلاد فعليك بالخطوات التالية:


أولا –ابحث عن مؤسسة محترفة سواء أكانت جامعية أم خاصة المهم أن تكون سمعتها محترمة، وهناك في معظم الدول العربية برامج في الجامعات أو مراكز لإعداد معلمي العربية للناطقين بغيرها تنظم دورات على فترات، وإن كنتَ تهتم بالبحث عن عمل في مؤسسات رسمية فقد يكون من الضروري الحصول على شهادة من مكان مرموق ومعروف أو مكان رسمي يمكن توثيق شهاداته من الجهات الحكومية المعترف بها دوليا.


ثانيا –ابحث عن مكان جيد للتدريب العملي ولو بدون أجر:

واجتهد في أن يكون هذا المركز متنوع البرامج لأن هذا يعطيك خبرة كبيرة تحتاج إليها.. ولكي أوضح لك هذه النقطة فاعلم أن هذا المجال شديد التنوع ويمكن تصنيف برامجه إلى عدة أقسام منها:

العربية لأغراض عامة: أي الناس الذين يتعلمون العربية بشكل متكامل ولهدف عام هو الاتصال اللغوي بالعرب أو المواد العربية.

العربية لأغراض خاصة: ويقصد به تعليم العربية لأهداف أكثر تحديدا كمن يتعلم لممارسة العمل الدبلوماسي بالعربية، أو العربية للصحة وهذه يتعلمها العاملون بالقطاع الطبي كالأطباء والممرضات للتعامل مع المرضى.

يمكن أيضا تصنيف برامج هذا المجال حسب السن: أطفال وكبار، ويمكن تصنيفه حسب المستوى اللغوي: هل الدارسون يتعلمون الفصحى أم العامية.. وكلما كانت المؤسسة التي تتدرب فيها تغطي التصنيفات السابقة كان التدريب مفيدا لك.

من جانب آخر، ابحث عن المكان الذي يتيح لك -العمل أو التدريب- ساعات كثيرة.. فالعمل في هذا المجال لا يحسب بالسنوات المجردة بل بالساعات التي كنت تعملها شهريا، فهناك مؤسسة تدرّس فيها 20 ساعة شهريا أي 240 ساعة في السنة، ومؤسسة أخرى قد تتيح لك العمل 100 ساعة شهريا أي 1200 ساعة سنويا، وبهذه الحسبة فإن النوع الثاني تساوي خبرته 5 سنوات تقريبا من النوع الأول.


ثالثا – ابحث عن عمل:

 في البلاد العربية وغير العربية توجد مراكز عديدة لتعليم العربية، وهذه تعتبر أقل الأماكن شروطا للحصول على وظيفة، وأسهل طريقة للوصول إليها يكون عبر صفحات "الفيس بوك" الخاصة بمعلمي العربية للناطقين بغيرها أو عن طريق البحث عن إعلانات برامج تعليم اللغة العربية ثم التواصل مع الجهات المعلنة، ومن الأماكن الأخرى التي يمكن العمل فيها مواقع تعليم اللغات عبر الإنترنت وهذه يمكن أيضا العمل من خلالها عبر اتصالك بها مباشرة والتعاقد معها، هناك أيضا مواقع للتعليم على مستوى التعليم قبل الجامعي مثل موقع tes وهناك مواقع للتعليم الجامعي مثل موقع وظائف التعليم العالي higheredjobs، ومن خلال التجربة الشخصية فأغلب الجامعات تشترط الحصول على "ماجستير" في اللغويات التطبيقية أو في التربية أو اللغة العربية، وخبرة ثلاث سنوات في التعليم الجامعي كحد أدنى، ومن ثَم فقد تجد نفسك تحتاج أن تبني خبرة حتى تستطيع أن تنتقل إلى المكان الذي تطمح إليه.


رابعا – ارتق أكاديميا:

هناك في هذه المهنة –مثل أي مهنة– صنفان: صنف يعرف الحد الأدنى المطلوب للعمل ويعتمد على موهبته وكفى، وهناك صنف يضيف إلى ما سبق دعما أكاديميا مستمرا حيث يحرص على القراءة والاطلاع والدراسة بشكل دائم يضمن له أن يعرف جيدا ماذا يفعل ويستطيع تحليل ما يحدث في الصف أو التعامل مع المواد التعليمية استخداما وتعديلا وتحديثا وتقويما بل وبناء.. ولا شك أن الصنف الثاني أكثر فرصا ويعتبر وجوده في أي مؤسسة إضافة لها.

إذا قدر لك أن تعمل في هذا المجال فأستطيع أن أقول لك إنك من الصعب أن تغيره لأنه ممتع.. وأروع ما فيه أنك تعلم العربية للراغبين فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

14 /4/ 2017

معلم العربية في مواجهة هوليود

 قبل انتشار الإنترنت كان الطلاب يأتون إلى القاهرة وغيرها لدراسة العربية ويقولون لنا "رائع أنتم عندكم سيارات وهواتف وتلفزيونات.. كنا نظنكم تعيشون في الصحراء وتتنقلون بالجمال".

كانت هذه الصورة النمطية تزول بمجرد نزول الطالب في أي عاصمة عربية حيث يفاجأ بما يراه من مدنية وتصبح تلك الصورة طرفة نتندر بها. أما بعد الحادي عشر من سبتمبر فقد تغير الأمر وتولدت صور نمطية أكثر بشاعة. في أطروحته للماجستير قارن ماثيو دانا (2009) بين صورة العربي في السينما الهوليودية قبل أحداث 11/9/2001 بخمس سنوات وبعدها بخمس سنوات ووجد أن صورة العربي –سينمائيا- بعد الأحداث تظهره "أقل ذكاء" ومن ناحية التعامل "أعنف ومرتبطا بالإرهاب"، كما أظهرت الدراسة أن هذه الأفلام تصور العربي على أنه شخص شرير ومختلف عن بقية الأمريكيين وغير موثوق به.

دراسة نورا العلوي (2015) قارنت تناول الشخصية العربية في فيلمين أمريكيين هما فيلم "Kingdom" وفيلم "Rendition"، وأوضحت النتائج أن كلا الفيلمين أظهرا العرب على أنهم متطرفون وغير مثقفين ومستعدين للعنف، وأن الأنشطة الإرهابية والحياة اليومية للعربي بينهما تكيف وتواؤم، وأن "الإرهاب" موجود في المجتمعات العربية بشكل غريزي. وهناك رسالة ضمنية بأن الناس في تلك المنطقة على هذا الحال غالبا نظرا لدينهم.

ما رأيك عزيزي المختص بتعليم العربية للناطقين بغيرها؟ لا أظن هذه الصور تنتهي بمجرد نزول الطالب إلى المطار بل تشغل حيزا أوسع في عقله بمجرد أن تطأ قدمه أرضا عربية، وكل ما سبق يأتي به الطالب إلى الفصل، وبمجرد حدوث ألفة بينه وبين المعلم يبدأ طرح أسئلة من الشرق والغرب ويصبح المعلم في مواجهة ماكينة هوليود الهائلة، وتنزل الأسئلة على رأس المعلم من شبهات غريبة بعضها له أصل وبعضها مختلق تماما، بدءًا من: لماذا العرب إرهابيون؟ إلى كيف تنام المنتقبة بالنقاب؟ مرورا بهل الإرهاب عربي إم إسلامي أم هي دعوى ظالمة؟ هل الإسلام يظلم المرأة فعلا؟ هل المتدينون يسلمون عقولهم لمشايخهم ويطيعونهم طاعة عمياء؟ هل الإسلام يدعوكم للاستسلام للحاكم الظالم؟ هل فعلا المسلم يفجر غير المسلمين من أجل أن يحظى بسبعين حورية في الجنة؟ لماذا يتزوج المسلم "7" نساء "كما تعتقد بعض الشعوب"؟! هل الناس تساعد بعضها وتبدو كريمة لأنهم يحبون الخير أم لأن الأنظمة لا تقوم بدورها فيجد الناس في التكافل نوعا من تعويض القصور الحكومي؟ لماذا يفوز الإسلاميون بالانتخابات دائما؟ هل هم فعلا يَعِدُونَ الناسَ بأنهم سيدخلون الجنة إذا انتخبوهم؟ ولماذا لا يختار العربُ الليبراليين في الانتخابات هل فعلا ينظرون إليهم على أنهم وكلاء للغرب؟ لماذا يلعنُ العربُ أمريكا وهم أكثر الناس طلبا للهجرة إليها؟ ما العلاقة بين كون إنسان فقيرا وأن طفله يسير بدون سروال؟ لماذا ينفق العرب بسفه في شوارع أوربا؟ لماذا يستخدم العربيُّ لغةً إنجليزيةً ركيكةً بدلا من لغته؟ هل هو شعور بالنقص أم كرم زائد مع الأجنبي؟... إلخ.

كمية هائلة من الأسئلة تلقيها كاميرات هوليود في وجه معلم العربية وعليه أن يجيب، فكيف يستعد؟

في الحقيقة لا توجد وصفة سحرية، ولكن على المعلم أن يعرف ثقافته جيدا: المعياري الثابت الذي لا يتغير أو يتغير ببطء كالعقائد والأفكار والقيم، والسلوكي وهو كيف يطبق المعياري في المجتمع، أي تعاملات الناس مع بعضهم والعادات والتقاليد، والحضاري وهو المنتج الذي تنتجه ثقافته كالفنون والآداب والملابس... إلخ.

فعلى المعلم أن يتمكن من ثقافته أولا. ثانيا: عليه أن يَدْرُس تلك الصور النمطية التي يصدرها لنا الإعلام –غير المنصف– ويعرف كيف يتعامل معها وكيف يفندها دون خطابة أو الدخول في معارك مع طلابه، بل يمكن تفكيك كل تلك الصور السلبية وفق أساليب تدريس معتبرة ومجربة وليس الحل طريقة المناقشة فقط كما يفعل معظمنا، بل هناك طرق يمكن أن يصل فيها الطالب إلى المعلومة بنفسه مثل البحث والتقصي والزيارات الميدانية ولعب الأدوار وغيرها.
ثالثا: أن لا
 يلعب المعلم دور المحامي فليس مسئولا عن أخطاء الأربعمائة مليون عربي والمليار وثلت مليار مسلم، إذا كان هناك خطأ فهو خطأ ولا نضيع الوقت في التبرير، والشعوب فيها الجيد والقبيح.
رابعا: يتأكد من أن نسبة كبيرة من الطلاب راغبون في المعرفة الحقيقية لثقافتنا. وأتذكر أن إحدى الباحثات الغربيات ذكرت في مؤتمر بالقاهرة عام 2013م أنها عاشت في دولة عربية عدة سنوات ولاحظت أن أغلب المبتعثين من جهات استخبارية -من بلدها- لدراسة اللغة العربية في تلك الدولة ينتهي برنامجهم باستقالتهم من وظائفهم الاستخبارية لأنهم يكتشفون أن هذا الشعب طيب وليس المسلم الشرير الذي صنعته هوليود.

إن الدور الثقافي للمعلم في غاية الأهمية، فهو للأسف في مواجهة ما تقدمه الآلات الإعلامية الغريبة والشرقية من صور سلبية عن العرب والمسلمين، وعليه أن يكون واعيا وأن يعرف كيف يفند تلك الصور ويفككها ويكسب "الطالب" ليصبح الأخير من سفراء الثقافة العربية الإسلامية في بلاده.

مراجع:

علي أحمد مدكور.(2003). التربية وثقافة التكنولوجيا. دار الفكر العربي. القاهرة

Alalawi, N. (2015). How Does Hollywood Movies Portray Muslims and  Arabs After 9/11? “Content Analysis of The Kingdom and Rendition  Movies”. Cross-Cultural Communication, 11(11), 58-62.

Dana, Matthew, "Big-screen aftershock: How 9/11 changed Hollywood’s Middle Eastern characters" (2009). Thesis. Rochester Institute of Technology. Accessed from

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11 /3/ 2017

قراءة في أوراق مؤتمر اختبارات قياس مهارات اللغة العربية لغير الناطقين بها "تجارب وإنجازات" (2 من2)

انعقد في جامعة الأزهر المؤتمر العلمي الثاني لتعليم العربية للناطقين بغيرها في مركز الشيخ زايد يومي 26-27 من أكتوبر 2016، وقد جاء تحت عنوان "اختبارات قياس مهارات اللغة العربية لغير الناطقين بها "تجارب وإنجازات"، وصدرت أوراق المؤتمر في جزأين، وقد تناولنا في المقال السابق المحور الأول واليوم نعرض بقية المحاور.

المحور الثاني: الاختبارات الجزئية:

د. صابر عبد المنعم تناول موضوع "الاختبارات المحكية المرجع وتنمية مهارات الاستماع لدراسي العربية من الناطقين بغيرها"، وقد أجاب البحث عن عدة أسئلة هي: ما الدور الذي تقوم به الاختبارات المحكية المرجع في التعليم والتعلم؟ وما مهارات الاستماع المناسبة لدارسي العربية من الناطقين بغيرها؟ وما الأسس التي تقوم عليها تننمية مهارات الاستماع في عصر الثقافة الإلكترونية؟ وما المعايير الخاصة باختبارات الاستماع المحكية المرجع؟

أما أ. غادة نبيل داود فقدمت نموذجا لاختباري تتمة غير متكافئين في مجال القراءة في المستوى المبتدئ بمركز الشيخ زايد، اختبار تتمة حر، واختبار تتمة مقيد. ووضعت أ. جيهان أبو الوفا و أ. نجاة عبد الرحمن تصورا لاختبار كفاءة لقياس مهارات الكتابة لدى طلاب المستويين المتوسط والمتقدم.

أ. محمد حميدة اقترح تصورا لتقويم مهارات القراءة الإبداعية لدى دارسي المستوى المتقدم بمركز الأزهر الشريف لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، اعتمادا على قائمة لمهارات القراءة الإبداعية تتكون من (44 مهارة) تتوزع على الأصالة والطلاقة والمرونة والإثراء.                                                                                       

المحور الثالث: محتوى الاختبارات

د. سعد القحطاني تناول موضوعا غير شائع في المؤتمرات وهو "كيفية قياس الكفاية التداولية في اختبارات الكفاءة اللغوية"، ويعرف التداولية بأنها دراسة العمل التواصلي في سياقه الثقافي الاجتماعي، فالعمل التواصلي لا يحتوي على أفعال الكلام مثل الطلب وإلقاء التحية والرفض والاعتذار فحسب بل يتعدى ذلك إلى الاشتراك في المحادثة وأنواع مختلفة من الخطاب، والمحافظة على التفاعل في مواقف لغوية معقدة.. ويعرض في ورقته نماذج لكيفية قياس الكفاية التداولية في السياق الشفهي والمكتوب.

د. طه زكريا عرض ورقة بعنوان "تضمين الأساليب البلاغية في اختبارات الكفاءة اللغوية للناطقين بغير العربية" ومن مقترحاته -بعد استطلاع الآراء- أن تكون هناك نسبة 5% من مجموع الدرجات لأسئلة البلاغة، كما طرح البحث قائمة بالموضوعات البلاغية التي يوصى بأن تتضمنها أسئلة البلاغة.

أ. البراء صفوان تناول المحتوى الثقافي في اختبار تحديد المستوى بمركز الشيخ زايد، ومن خلال تحليل استبانة توصل إلى مكونات الثقافة الإسلامية التي ينبغي أن تتضمنها اختبارات الكفاءة اللغوية، وكذلك الموضوعات الثفافية التي تنوعت بين مهم جدا ومهم فقط.

د. محمد سيد عباس عرض للموضوعات الصرفية التي يجب أن تشتمل عليها اختبارات الكفاءة اللغوية وطريقة بناء الأسئلة.

 

المحور الرابع: قضايا في التقويم

تناول د. هداية إبراهيم ومجموعة من الباحثين موضوعا غير مطروق في بحوث العربية وهو "انعكاسية الاختبارات" ويقصد بها -اختصارا- الأثر الذي يحدثه الاختبار على المؤثرين والمتأثرين بالاختبار وعلى رأسهم الطلاب والمعلمون وأولياء الأمور. وتناولوا عددا من النقاط مثل أوجه تأثير الانعكاسية الإيجابية والسلبية، والعوامل المساعدة على قوة تأثير الانعكاسية ثم عرض مجموعة من النماذج التطبيقية لانعكاسية الاختبارات التواصلية.

د. محمد عيسى وجد أن اختبارات اللغة العربية الموحدة في منطقة "بونت لاند" الصومالية في الفترة من 2010-2016 أدت إلى نمو ملحوظ في تحصيل المهارات اللغوية مقارنة بالاختبارات الحكومية في الفترة من 2003 – 2009.

أما د. علي الحديبي فتوصل إلى قائمة لمهارات تصميم الاختبارات الإلكترونية لقياس جوانب التعلم اللغوي، وبنى برنامجا للتعلم الذاتي لتنمية مهارات تصميم الاختبارات اللغوية الإلكترونية وجربه وأثبت فعاليته إحصائيا.

وتناول د. مصطفى رسلان أنماط التقويم اللغوي في برامج تعليم اللغة وأساليبه، وقدم بعض التوجيهات العامة في استخدام أنماط التقييم اللغوي.

وطرح د. نصر الدين خضري استخدام التقويم البديل بديلا للتقويم التقليدي، وعرض لإستراتيجياته التي يمكن تلخيصها في: التقويم القائم على الأداء، ملفات الأعمال، التقويم الذاتي، تقويم الأقران، تقويم الأداء القائم على الملاحظة، تقويم الأداء بالمقابلات.

وجاءت ورقة د. اعتماد عفيفي ود. مصطفى طنطاوي لتجيب سؤال ما الأسس العلمية "اللغوية والتربوية" اللازمة لتصميم وبناء اختبار الكفاءة اللغوية للناطقين بغير العربية؟ جاءت الأسس اللغوية حسب الكاتبين: ربط لغة الاختبار بنصوص القرآن والسنة والتراث الإسلامي، ومراعاة الجوانب الصوتية من مخارج الحروف وصفاتها في أسئلة الاختبار، ومراعاة السياق الثقافي والبعد الاجتماعي، وأن يعنى التقويم باللغة المكتوبة والمنطوقة وأن تراعي الأسئلة عدم النمطية وقياس المهارات الاتصالية المختلفة.

تناولت فتحية شفيري أهمية الاختبارات ودروها في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وألقت الضوء على مفهوم الاختبار واختباري الاستماع والكتابة.

د. علي سلام تناول تطور قياس الأداء اللغوي عبر أربعة مداخل: المدخل السيكومتري والمدخل البراغماتي ومدخل المهام والتقويم البديل. كما تناول طرق تقويم تعلم العربية للناطقين بغيرها وأنواع اختبارات الأداء اللغوي.

تعليق:

يحسب للمؤتمر التركيز على قضية القياس والتقويم اللغوي، وهي قضية تحوم حولها المؤتمرات ويقل من يتصدى لها بشكل عملي.

المؤتمر يعتبر خطوة نحو مرحلة نضج مجال العربية للناطقين بغيرها الذي شهد نموا هائلا العقد الماضي، وكان من ضمن هذا النمو الغث والسمين.

طرق قضايا انعكاسية الاختبارات والتقويم البديل وتصميم الاختبارات إلكترونيا أمر جيد ويتحرك بأفق الباحثين نحو موضوعات تأخرنا كثيرا في الحديث عنها.

هذا المؤتمر تأخر حيث كان المؤتمر الأول لمركز الشيخ زايد عام 2013 إلا أن المتأمل يجد أحيانا أن انعقاد المؤتمرات سنويا يضعف بعضه بعضا، فلو كانت المؤسسات المنظمة للمؤتمرات تنظمها كل عامين، سنجد أن الباحثين أمامهم ربما ستة أو سبعة مؤتمرات سنوية يستطيعون المشاركة فيها سواء بالبحوث أو الحضور، لكن ما حدث في عام 2016 من انعقاد (14 مؤتمرا) جعل متابعتها خارج نطاق الباحثين.

أستطيع أن أقول إن هذا المجال يسير نحو مرحلة الرشد.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

26 /3/ 2017

قراءة في أوراق مؤتمر اختبارات قياس مهارات اللغة العربية لغير الناطقين بها "تجارب وإنجازات" (1 من2)

انعقد في جامعة الأزهر المؤتمر العلمي الثاني لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في مركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في 26-27 من أكتوبر 2016 تحت عنوان اختبارات قياس مهارات اللغة العربية لغير الناطقين بها "تجارب وإنجازات"، وصدرت أوراق المؤتمر في جزأين يبلغ حجمهما 1046 صفحة، ويمكن تصنيف مقالاته إلى ثلاثة محاور سوف نستعرضها على مدار مقالين.

المحور الأول: اختبارات الكفاءة اللغوية

استعرض د.عبد الرءوف الشيخ تجارب بناء اختبارات الكفاءة اللغوية العربية وسجل انتقادات وجهت إليها يمكن تلخيصها في عدم اعتمادها على أطر مرجعية عالمية ونماذج مقننة أثناء تصميمها، وعدم قياسها لمستويات أو عناصر الكفاءة المختلفة، وأن بعضها جهد فردي وليس عملا مؤسسيا، وارتباط بعضها بمحتوى محدد مما يعني أنها أقرب للاختبارات التحصيلية منها لاختبارات الكفاءة. واقترح الشيخ إطارا لمواصفات اختبار الكفاءة اللغوية يقيس المهارات الأربع الأساسية ومن خلالها يقيس فنون اللغة والدراسات الاجتماعية والأغراض الاجتماعية والرياضيات والعلوم. وأوصى في ختام ورقته بتبني الأزهر لبناء إطار مرجعي عربي ينبثق منه لاحقا اختبار كفاءة لغوية عالمي موحد على غرار اختباري اللغة الإنجليزية الشهيرين TOEFL & IELTS  وإنشاء هيئة عربية إسلامية للإشراف على هذا الاختبار.

وعرّف د. محمد الحناش باختبار "العرفان المعياري" وهو اختبار شبكي على الإنترنت IBT  يقيس الكفاءة في العربية وفقا للإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات في مستواه الأعلى C1-C2، وذكر أنه يقيس خمس مهارات هي المهارات الأربع المتعارف عليها، ويضيف خامسة خاصة بالقواعد. وبحسب الحناش فإن الاختبار قسم إلى نوعين اختبار تصنيفي يقيس القراءة والاستماع واللغة (القواعد)، واختبار معياري يقيس المهارات الخمس ويشمل أيضا التعبيرين الكتابي والشفهي، وتتنوع أسئلة الاختبار بين الموضوعية والمقالية ويتم حساب الدرجات آليا.

كما عرض د.محمد سالم اختبار الكفاءة اللغوية الإنجليزية بجامعة كمبريدج وخرج بمجموعة من الدروس التربوية المستفادة من هذا الاختبار يمكن تلخيصها فيما يلي: إدراك التنوع الثقافي بين المتقدمين للاختبار، وملاءمة محتوى الاختبار لمرحلة النمو التي يمر بها المتقدم، ومراعاة تأثير الكمون –أي ضعف استعداد الممتحن للاختبار رغم تمكنه اللغوي- والمحتوى والرسومات الملائمة للمرحلة العمرية للمتقدمين، والتناقض بين مهارات اللغة الاستقبالية ومهارات اللغة الإنتاجية، ونقل مهارات ومعارف اللغة الأم إلى اللغة العربية، والتبيانات بين اللغة الاجتماعية واللغة الأكاديمية ومعالجة التحيز الثقافي.

وفي ورقته عرض د. حسين عبيدات لنماذج من اختبارات الكفاءة اللغوية مثل اختبار رابطة أستاذة اللغة العربية في الولايات المتحدة  (1979) مع توضيح النقد الذي وجه لهذا الاختبار،  والاختبار الثاني كان اختبار مركز اللغويات التطبيقية في واشنطن (1992)، والاختبار الثالث اختبار معهد اللغويات العربية في جامعة الملك سعود وقد استفاض في عرضه حيث وضح عملية تطبيق الاختبار والعينة التي تم التجريب عليها ونتائج التحليل الإحصائي للتجربة.

أ.محمد رمضان الغليض قدم تصورا لاختبار قياس مهارات اللغة العربية للناطقين بغيرها أطلق عليه اسم (اختبار اللسان العربي "اسع") وهو تصور يستفيد من اختبار الكفاءة في اللغة الإنجليزية IELTS  والإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات ويوظف المدونات اللغوية.

د. حامد همداني و د. كفايت الله همداني و د. حافظ محمد بادشاه عرضوا في أوراق منفصلة لأنواع اختبارات العربية في ثلاث جامعات باكستانية يمكن تقسيمها إلى:

 1) الاختبار التأهيلي لاختيار كتابة البحث في الماجستير.

2) اختبار القبول لماجستير الفلسفة باللغة العربية.

3) اختبار القبول للدكتوراه في اللغة العربية.

د.محمد شيرازي دمياطي عرض اختبارات اللغة العربية للدراسات الإسلامية بوصفها لغة أجنبية "اختبار التوافل" في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بالعاصمة الإندونيسية جاكرتا، وهو اختبار مقنن  -حسب ما ذكره الباحث – وقد أعدته لجنة من مدرسي الجامعة سنة 1999وهويقيس فهم المسموع والتراكيب والتعبيرات والمفردات وفهم المقروء والقواعد، كما عرض د. السعيد بن إبراهيم و د. زهور شتوح تجربة مراكز تعليم اللغات المكثفة في الجزائر في تقويم الكفاءة اللغوية للناطقين بغير العربية.

د. محمود عبده فرج قدم عرضا لعملية تقنين اختبار الكفاءة اللغوية للناطقين بغير العربية الراغبين في الالتحاق بجامعة الأزهر، وذكر أنه توصل إلى قائمة بمعايير الكفاءة اللغوية اللازمة للطلاب الراغبين في الدراسة بالأزهر الشريف وتوصل إلى اختبار كفاءة لغوية داعيا مركز الشيخ زايد بالأزهر إلى تبينه وجعله أداة معيارية للتخرج من المركز.

تعليق:

- يلاحظ أن هناك صحوة في عالم اختبارات الكفاءة، فبعد أن كانت المؤتمرات تتوقف على التوصية ببناء اختبار أصبحنا نرى إنجازات ملموسة يمكن النقاش حولها وهو أمر يمثل تقدما جوهريا في المجال.

- كشفت البحوث عن جهود في مناطق مجهولة نسبيا، حيث عرضت 4 جامعات غير عربية اختبارات للكفاءة اللغوية بعضها من سنة 1999م، وهو إنجاز يحسب لها، لكننا نحتاج إلى رؤية نماذج لدراسة مدى معياريتها.

 - لم أعثر في كتاب المؤتمر على الترقيم الدولي ISBN ولا أسماء المحررين، وهو أمر يبدو غير مألوف بين كتب المؤتمرات العالمية، وأذكر أنني أرسلت مقالا لإحدى شركات التحرير اللغوي البريطانية لمراجعته قبل تقديمه لإحدى الدوريات وكان في المقال مرجع من كتاب مؤتمر عربي، فجاءت ملاحظة المحرر أن هناك خطأ لأن كتاب المؤتمر بدون محرر!

- الإنجاز البحثي في مجال تعليم العربية في الدول غير العربية يدعونا للتساؤل كيف نسرع التواصل بين المعنيين بتعليم العربية في العالم بشكل يسهل التعاون الدولي بينهم ويعرفنا بالمنجزات أولا بأول؟ ولهذا حديث آخر إن شاء الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

13 /2/ 2017

قراءة في توصيات مؤتمرات 2016 م

هذا المقال جولة في توصيات ثلاثة من مؤتمرات 2016م حول تعليم العربية للناطقين بغيرها، مؤتمر إسطنبول الثاني الذي نظمته مؤسسة "إيثار"، والمؤتمر الثاني لمركز الشيخ زايد لتعليم العربية لغير الناطقين بها بجامعة الأزهر، ومؤتمر تدريس اللغة العربية في برامج السنوات التحضيرية في تركيا الذي نظمته جامعة إسطنبول بالتعاون مع مؤسسة "أكدم" إسطنبول (الترتيب تاريخي).

سنلاحظ أن توصيات المؤتمرات الثلاثة اهتمت بالبحث عن إطار أو مظلة ترعى هذا المجال سواء على المستوى العالمي أو المستوى المحلي، فسنجد أن مؤتمر إيثار ومؤتمر الأزهر تكلما عن إنشاء "مجلس عالمي للغة العربية للناطقين بغيرها"، وهو إدراك للأزمة التي يعانيها هذا المجال وهي أنه بلا "أب".. ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد "المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية"، وفي أوربا نجد مجلس التعاون الثقافي التابع لمجلس أوربا، أما تعليم العربية لغة ثانية/أجنبية فلم يجد مظلته حتى الآن، وتوصية "المجلس العالمي" توصية قديمة –بالمناسبة- حيث نراها ضمن توصيات مؤتمر اللغة العربية الأول بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (2007م) ومؤتمر الأزهر الأول (2013م) وربما لو بحثنا نجدها ضمن توصيات مؤتمرات أقدم. ومن الواضح أن الأتراك انتبهوا لصعوبة إنشاء "مجلس عالمي" فمدوا أقدامهم على قدر غطائهم وكانت توصيتهم أن يقوموا بإنشاء مظلة لرعاية هذا المجال في تركيا.. وفي ظل دولة بها عشرات الآلاف من الأوقاف فإن أمرا مثل هذا ليس بعيد المنال.

نجد أيضا أن ثلاثة مؤتمرات اتفقت على الاهتمام باختبار الكفاءة اللغوية، وبعضها صرَّح به كمؤتمر الأزهر وبعضها نظر إلى مستوى أعلى كمؤتمر إيثار الذي نصَّ على "إنشاء مركز للقياس اللغوي" بحيث لا ينصبُّ الموضوع على اختبار واحد بل لإنشاء مؤسسة على غرار "" ETS  مركز الاختبارات التعليمية الذي يصدر اختبار الكفاءة في اللغة الإنجليزيةTOEFL"   " وغيره، وتوصية بناء هذا الاختبار -ومركز القياس أحيانا- توصية قديمة تتوارثها الأجيال من بداية الاهتمام بهذا المجال في الربع الأخير من القرن المنصرم، ونجدها في مؤتمر الأزهر الأول (2013) ومؤتمر "أبو ظبي" (2013) ومؤتمر المجلس الدولي للغة العربية الأول ببيروت (2012)، وأحسب أن أول من طرح هذا الأمر الاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية عام (1986م) بمشروعه "مجلس الامتحانات" الذي لم ير النور حتى ساعته وتاريخه.

وفي الحقيقة هناك مبادرات في موضوع اختبارات الكفاءة مثل اختبار "التنال" الأردني واختبار "العرفان" المغربي واختبار مركز قياس في السعودية وتجربة كاتب هذا المقال في أطروحته للدكتوراه إلا أن عدم وجود جهة ترعى هذه الاختبارات وتسعى للاعتراف المحلي والإقليمي والدولي بها يجعل تأثيرها محدودا جدا.

ومن الجدير بالذكر ظهور توصية جديدة نسبيا في مؤتمر الأزهر وهي "إعداد اختبارات محوسبة وتطبيقها لقياس تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها" وهو أمر تأخرنا فيه كثيرا، حيث انتشر استخدام الاختبارات المحوسبة في أمريكا منذ ثمانينيات القرن الماضي وانتقل لطور الاختبارات الشبكية "عبر الإنترنت" ثم انتقل لطور الاختبارات التكيفية..

ومن توصيات مؤتمر الأزهر توصية جديدة أيضا وهي "العمل على إطلاق محطة تلفزيونية متخصصة"، ورغم بريق هذا الاقتراح فإن عالم التلفزيون بشكله المعروف حاليا أوشك على الأفول مع ارتباط الأجيال الجديدة بالأجهزة اللوحية، فالفكرة تبدو جميلة لكنها تحتاج لرؤية أكثر استشرافا للمستقبل.

دعا مؤتمر الأزهر أيضا إلى "بناء إطار مرجعي عربي موحد" وهذا الموضوع نوقش باستفاضة في مقال سابق، وقد جاءت توصية مؤتمر جامعة إسطنبول أكثر عملية حيث أوصى باعتبار المستوىB1  شرطا لاجتياز السنة التحضيرية العربية في كليات العلوم الإسلامية، وهو ما يعني ضمنيا اعتماده للإطار المرجعي الأوربي المشترك.

إن وجود إطار ومستوى محدد لاجتياز السنة التحضيرية العربية أمر شديد الأهمية، ورغم أني أرى أن المفترض أن يكون المستوىB2   وليس B1، فإنها خطوة جيدة على الطريق وربما تُثبت التجارب العملية صواب أحد الرأيين.

اشتركتِ المؤتمرات في الاهتمام بموضوع تدريب المعلمين واعتمادهم حيث أوصت بإنشاء مراكز للتدريب والاعتماد، كما اشترك مؤتمر إيثار ومؤتمر جامعة إسطنبول في التوصية بإنشاء مركز لبحوث اللغة العربية، وبينما كانت توصية الأول عالمية، جاءت توصية مؤتمر جامعة إسطنبول مُركِّزة على تركيا وهو تأكيد لنظرية "مد قدميك على مقدار غطائك". ولا شك في أن وجود مركز بحثي مثل هذا -على مستوى عالمي أو محلي- سيقفز بالمجال قفزة كبيرة، ولنا أن ندرك أن تعليم العربية في تركيا هو مهنة كثيرين عملوا في الجامعات دون أي تدريب أو دراسة وربما لا يحملون شهادة في اللغة العربية أصلا.. فوجود هذا المركز سيؤدي لوضع ضوابط لهذه المهنة حتى تُحقق المنشود منها ولا تتحول لتجربة فاشلة تضاف لكم هائل من الفشل في تعليم العربية شرقا وغربا.

نخلص مما سبق إلى أن أهم توصيات المؤتمرات المذكورة دارت حول الاهتمام بإنشاء مجلس عالمي أو محلي يكون مظلة لتعليم العربية للناطقين بغيرها، ومركز اختبارات يقوم ببناء اختبارات كفاءة لغوية، ومؤسسة لتدريب واعتماد المعلمين، ومركز أبحاث لتطوير هذا المجال كله، كما جاءت توصيات مؤتمر جامعة إسطنبول متوافقة مع عنوانه "السنة التحضيرية" ولو تحققت تلك التوصيات لعبرنا بتعليم العربية من مرحلة التلفاز الأبيض والأسود إلى التلفاز الذكي مرة واحدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

30 /1/ 2017

2016 عام المؤتمرات

 منذ عشر سنوات فقط كانت الفعاليات العلمية في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها نادرة فلا أذكر أني سمعت عن فعاليتين دوليتين في عام واحد، وكان العثور على كتب المؤتمرات أو الندوات أمرا شديد الصعوبة فلم تكن مواقع الإنترنت ولا ملفات PDF قد انتشرت، وكان اقتناء مرجع أصلي رفاهية لا يطمح إليها معلم أو باحث حيث كانت أغلب الكتب تصدر في الخليج ولا تصل للقاهرة، كانت كل تلك الخواطر تتقافز في ذهني كلما طالعت أو حضرت مؤتمرا من مؤتمرات العربية للناطقين بغيرها عام 2016 م الذي أحصيت فيه 12 مؤتمرا دوليا لأول مرة في تاريخ المجال، ولا أستطيع القول إن هذا الرقم يعتبر حصرا لكل فعاليات العام.

واسمحوا لي أن أسردها سريعا علّ تلك العناوين تفيد الباحثين، والترتيب حسب تاريخ تنظيمها:

المؤتمر الدولي الثاني اتجاهات حديثة في تعليم العربية لغة ثانية الذي نظمه  معهد اللغويات العربية بجامعة الملك سعود (2-3 فبراير)، وحلقة جورج تاون البحثية التي نظمها برنامج اللغة العربية بجامعة جورج تاون في قطر (27-28 إبريل)، و المؤتمر الدولي الأول "تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها: تحديات الواقع وآفاق المستقبل" الذي نظمته كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر (1-2 مايو)، والمؤتمر الدولي الخامس للغة العربية الذي ينظمه سنويا مجلس اللغة العربية بدبي (4-7 مايو)، ومؤتمر تدريس اللغة العربية في زمن العولمة: تقريب بين برامج اللغة العربية للناطقين بها والناطقين بغيرها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي نظمته جامعة الأخوين المغربية بالتعاون مع مدرسة ميدلبيري الأمريكية للغات (16-18 مايو)، والمؤتمر السنوي العاشر لمعهد ابن سينا للعلوم الإنسانية - تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في الجامعات والمعاهد العالمية الذي نظمه معهد ابن سينا في فرنسا (28-29 مايو)، والملتقى العلمي العالمي العاشر للغة العربية اللغة والثقافة العربية في الجامعات والمدارس عبر القارات الخمس الذي نظمه اتحاد مدرسي اللغة العربية بإندونيسيا بالتعاون مع جامعة بونتياناك الإسلامية الحكومية (26-28  أغسطس)، والمؤتمر الدولي لاكتساب العربية لغة ثانية الذي نظمته جامعة ميتشغان (23-25 سبتمبر)، ومؤتمر إسطنبول الدولي الثاني تعليم العربية للناطقين بغيرها "إضاءات ومعالم" الذي نظمته مؤسسة إيثار (7-8 أكتوبر)، ومؤتمر اختبارات قياس مهارات اللغة العربية لغير الناطقين بها تجارب وإنجازات الذي نظمه مركز الشيخ زايد بالأزهر الشريف بالقاهرة (26-27 أكتوبر)، والمؤتمر الدولي الثاني للدراسات اللغوية الذي نظمته كلية اللغات بجامعة المدينة العالمية بماليزيا (7-8 ديسمبر)، والمؤتمر الثاني لتطوير اللغة العربية للناطقين بغيرها  الذي نظمته جامعة إسطنبول بالتعاون مع أكاديمية إسطنبول (16-17-18 ديسمبر).

تحليل سريع:

نلاحظ أن مدينتي إسطنبول والدوحة استضافتا مؤتمرين لكل منهما، كما نلاحظ أن شهر مايو/أيار حظي بأكثر عدد من المؤتمرات وهو 4 مؤتمرات، يليه شهر ديسمبر الذي حظي بمؤتمرين.

بعض تلك المؤتمرات أصدر كتبا مثل مؤتمر جامعة الملك سعود ومؤتمر مؤسسة إيثار ومؤتمر الأزهر والمجلس العالمي للغة العربية ومؤتمر جامعة المدينة العالمية، وهناك مؤتمرات وعدت بإصدار كتبها لاحقا مثل مؤتمر جامعة إسطنبول ومؤتمر معهد ابن سينا ومؤتمر جامعة قطر.

كما نلاحظ أن أغلب المؤتمرات دارت حول مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها بشكل عام، عدا مؤتمر جامعة إسطنبول فقد تركز حول برنامج اللغة العربية في السنة التحضيرية بكليات الإلهيات والعلوم الإسلامية التركية، ومؤتمر جامعة الأخوين الذي جمع بين بحوث تعليم العربية لغة أولى وثانية وكذلك مؤتمر المجلس العالمي للغة العربية الذي يتطرق عادة لكل ما يتعلق باللغة العربية وليس التعليم فقط، أما حلقة جورج تاون في قطر فقد دارت حول الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات وجمعت بين الحديث عن الناطقين بغير العربية ووارثي العربية، أما مؤتمر الأزهر فدار حول الاختبارات.

كانت العربية لغة هذه المؤتمرات عدا مؤتمر جامعة إسطنبول الذي جمع بين التركية والعربية، ومؤتمر جامعة الأخوين الذي جمع بين الإنجليزية والعربية ومؤتمر معهد ابن سينا الذي يسمح بالعربية والفرنسية.

وكانت هذه المؤتمرات مفتوحة للجمهور عدا حلقة جورج تاون النقاشية التي كانت مقصورة على المدعوين.

مؤتمرات جامعة الملك سعود ومؤسسة إيثار وجامعة إسطنبول وحلقة جورج تاون وجامعة قطر ومعهد ابن سينا كانت مجانية وتحملت الجهات المنظمة إقامة المشاركين ببحوث.

ومن الجدير بالذكر أن أقدم هذه المؤتمرات هما ملتقى اتحاد مدرسي اللغة العربية بإندونيسيا ومؤتمر معهد ابن سينا حيث كانت دورتهما العاشرة 2016، وأكبر المؤتمرات من حيث عدد الحضور كان مؤتمر مجلس اللغة العربية بدبي.

من الأشياء غير المفهومة حتى الآن هي مؤتمرات اللغة العربية التي تنظمها مؤسسات عربية في دول عربية وتنشر معلوماتها بالإنجليزية حصرا ويكون نصيب العربية غالبا ملفا تحمله على جهازك للتعرف على المؤتمر!

تعليق:

- ألا يمكن التنسيق بين هذه المؤتمرات في المواعيد ليتمكن جمهور الباحثين من المشاركة؟ إسطنبول فيها 3 مؤتمرات في 7 شهور!!!

- ألا يمكن أن يكون هناك تنسيق بين اللجان العلمية لمنع تكرار الموضوعات حتى يخرج المؤتمر بفائدة؟

- ألا يمكن أن تبحث الجهات الراعية عن رعاة لتوفير سجلات المؤتمرات مجانا على الإنترنت لجمهور الباحثين في العالم.

- ما مصير التوصيات التي تدبجها المؤتمرات؟ وهل يمكن أن نرى مؤسسة ذات يوم تكون مظلة لهذا المجال في العالم؟

في المقالات القادمة سنلقى الضوء على بعض سجلات وتوصيات مؤتمرات 2016 فإلى اللقاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 /1/ 2017

هل نحن في حاجة لإطار مرجعي عربي؟

بينما كنا في راحة على هامش مؤتمر مؤخرا سألني خبير تربوي تركي هل رأيت الكارثة؟ فقلت: أي كارثة؟ قال بحرارة عربي قح: قوم يتكلمون عن الإطار المرجعي الأوربي وآخرون يتكلمون عن الإطار الأمريكي. سألته: وما الكارثة في ذلك؟ فقال: العرب أهل الفصاحة يعتمدون في تقييم لغتهم على أطر أجنبية.. قلت: ما المشكلة؟ هم سبقونا في العلم فاستفدنا منهم.. ثانيا ما الجديد الذي سنضعه في الإطار العربي؟  قال: يا رجل.. المهم أن يكون اسمه "الإطار العربي"!!

في الحقيقة مضمون هذا الحوار تكرر –بصيغ مختلفة- على مدار العام الماضي في عدة فعاليات حضرتها، فهناك من يرى ضرورة بناء إطار معياري عربي، وآخر يرى أنها ليست ضرورة ويمكن عمل بعض الإضافات الخاصة بالعربية على أي من الأطر الموجودة حاليا. وتوج هذا الحوار بصدور آخر كتب أستاذنا د.علي مدكور –رحمه الله-  الإطار المعياري العربي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.. ويحاول هذا المقال الإجابة عن السؤال "هل نحن في حاجة لإطار مرجعي عربي"؟

ما المقصود بالإطار Framework؟

يعرِّف  Fulcher& Davidson (2007) إطار العمل بأنه وثيقة وسيطة بين نموذج الكفاءة -الذي هو وثيقة ملخصة عالية المستوى- ومواصفات الاختبار. ويمكن أن نعرف الإطار أيضا بأنه سلم مستويات الأداء في المهارات والكفايات المختلفة وفي ضوئه تُبْنَى الاختبارات بأنواعها المختلفة.

إذن ما هو نموذج الكفاءة؟

نموذج الكفاءة عبارة عن تصور لمكونات الكفاءة اللغوية، ما الذي يجب أن نعرفه لنعرف لغة ما، وما المطلوب لاستخدامها؟ وهناك نماذج متعددة من أشهرها Bachman (1990), CEFR 2000 (انظر : علي، 2016).

لماذا تنشأ الأطر المرجعية؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجدت الإدارة الأمريكية أن تقييم الموظفين المعنيين بتعلم اللغات يتم بعبارات غير معيارية مثل "طلق في الألمانية" و"جيد في الفرنسية" ولذلك كلفت الإدارات المعنية باللغات الأجنبية بقيادة معهد الخدمة الخارجية FSI  أن تعد إطارا معياريا لضبط عملية التقييم اللغوي لموظفيها، وتم تعميم العمل به سنة 1958م وأطلق عليه FSI  ثم لاحقا تغير إلى Interagency Language Roundtable (ILR) . Herzog (2015)

واستمر ILR  متفردًا في الساحة الأمريكية حتى 1986م حين ظهرت توجيهات المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية ACTFL  الذي احتل مساحة واسعة في المجال الأكاديمي خلال العقدين الماضيين، ثم ظهر الإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات CEFR  عام 2000م.

 ومن ثم فإن المعايير تنشأ لتوحيد المستويات بين اللغات المختلفة، فمثلا عندما نقول إن شركة ما ستفتح فروعا في عدة بلاد ومطلوب أن يكون لديها مكتب لخدمة العملاء بلغات متعددة فتحدد مثلا المستوى C1 متطلبا لغويا لموظف خدمة العملاء أيا كانت لغته، ومن ثم فلا نحتاج أن نقول نحن نريد شخصا متميزا في العربية لخدمة العرب وشخصا طلقا في الفرنسية لخدمة الناطقين بالفرنسية... إلخ.

خلاصة هذه النقطة أن الأطر تنشأ لتوحيد مقاييس التقييم اللغوي، وهي مفترض أنها وحدات كالسنتيمتر والمتر والكيلومتر...

رأي القائلين بأهمية وجود إطار مرجعي عربي:

من أهم أنصار هذا الرأي أستاذنا د.على مدكور (2016،29) حيث يرى أن "المأمول أن يضع هذا الإطار المعياري لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى الأسس العامة للتوصيف التفصيلي للأهداف والمحتويات ومستويات الكفاءة اللغوية والاتصالية والثقافية الأمر الذي يسهل عملية الاعتماد المتبادل للمؤهلات في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي". وفي الحقيقة لم يوضح أستاذنا ما الجديد الذي سيجعل هذا الإطار مختلفا عن الإطار المرجعي الأوربي وهو للغات متعددة منها العربية ويقوم بالمهام نفسها.

ويرى د.صنوبر (2016) أن الأطر العالمية "لا تكاد تعتني بالعربية التراثية أي عناية، فلا تُذْكر ولا يهتم لها من حيث التأطير ولا التصنيف، مما جعل المناهج المصنفة وفق هذه الإطارات لا تكاد تعرج على عربية التراث إلا نادرا".  ويقترب من هذا الرأي من يرون أن الأطر الأخرى لا تراعي الجوانب البلاغية في اللغة العربية ولا العمق التاريخي لها.

وهناك من يرى أن العرب لابد أن يكون لهم إطارهم المرجعي الخاص حتى لو كان الفرق بينه وبين غيره يسيرا فلا يليق بلغة القرآن أن تكون تابعة.

رأي الرافضين لبناء إطار مرجعي:

يرى أنصار هذا الرأي أن قيمة الأطر تستمد من أمرين: عموميتها وعالميتها، والمقصود من عموميتها أنها لا ترتبط بلغة بعينها، والمقصود بعالميتها أنها لا تتقيد بقطر بعينه، ولذلك سنجد أن معايير الإطار المرجعي الكندي وهو خاص باللغة الإنجليزية وله إصدار مطور خاص بالفرنسية لم يحظ بما حظيت به الأطر العامة  الأمريكية ILR & ACTFL أو الأوربي CEFR

فلو بنى كل ناطقي لغة ما معيارا خاصا بهم لأصبحت فكرة الأطر المرجعية بلا جدوى، لأنه ستكون هناك أطر بعدد لغات العالم، وإن الأطر القديمة مثل ILR والحديثة نسبيا مثل ACTFL و CEFR تستمد قوتها من مرونتها وتعاملها مع عدد كبير من اللغات.

رأي الكاتب:

إذا تتبعنا ظهور المعايير تاريخيا فسنجد أنها لا تنشأ في فترات متقاربة ILR (1958) ACTFL (1986) CEFR (2000) ويتم تطويرها على فترات متباعدة، فمثلا معايير ACTFL صدرت للمرة الأولى في 1986 ثم طورت جزئيا معايير التحدث في 1999 والكتابة 2001 ثم صدر الإصدار الثاني 2012م أي بعد 26 سنة. أما CEFR فصدر عام 2000 ولم يصدر له إصدار ثان حتى الآن.

كما أن المعايير توضع لتسهيل الأعمال المهنية والتعليمية وتقليل الإجراءات، فلو كان لكل لغة معايير خاصة بها فإننا سنفتقد تلك المعيارية ويصبح هناك وصفٌ بِنَاءً على معايير كل لغة وربما كل دولة أيضا، وسنحتاج جهودا كبيرة لمعادلة الأطر ببعضها.

في الوقت نفسه لم يطرح المنادون ببناء إطار مرجعي عربي تصورا واضحا حتى الآن، وما أنجزه أستاذنا د.علي مدكور -رحمه الله- يشترك مع الإطار الأوربي  في 95 % على الأقل من المصنفات وهو ما يجعلنا نقول إنه تعريب للإطار الأوربي أكثر منه منتجا جديدا.

أما إعادة تقسيم المستويات أو زيادتها أو إطلاق أسماء جديدة عليها فلا يعد منجزا لأن الأطر الحالية نفسها تسمح بوجود مستويات فرعية حسب حاجة المؤسسة والسياق المستخدم فيه الإطار.

رأيي أننا نحتاج إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة حتى نستطيع أن نقرر هل نبني إطارا جديدا أم نطور؟ ومن أهمها:

1.   هل هذا الإطار سيكون للغة العربية فحسب أم كل اللغات الأجنبية التي تدرس في العالم العربي؟

2.   هل سيستند الإطار إلى نموذج نظري عربي للكفاءة اللغوية أم سيعتمد أحد النماذج التي أنتجها الناطقون بلغات أخرى؟ أم سيبني نموذجه الخاص؟

3.   هل المصنفات الجديدة كافية لكي نطلق على هذا المنتج "إطارا جديدا"؟

4.   هل المصنفات المتعلقة بلغة التراث ستكون هي المستوى المتقدم الأعلى أم ستكون موازية للمتقدم المعاصر أم جزء منه؟ فكثير من متقني العربية الاتصالية -من غير المسلمين- لا يحتاجون إلى تعلم لغة التراث، فهل ستحرمهم من الحصول على شهادة بإتقان العربية لأنهم لا يتقنون اللغة التراثية؟

5.   ما المنهجية العلمية للتأكد من معيارية مصنفات الإطار؟

6.   كيف ستتم معادلة هذا المعيار مع المعايير العالمية الأخرى؟

7.   ما آلية اعتراف المؤسسات الدولية بهذا المعيار؟

8.   ما خطة بناء هذا الإطار وما جهات تمويله واعتماده عربيا على الأقل؟

عندما نجد إجابة عن تلك الأسئلة نستطيع أن نقول إننا بدأنا نقاشا علميا جادا لبناء إطار أو تطوير أحد الأطر القائمة.

المراجع:

صنوبر، أحمد. (2016). إستراتيجيات تدريس النصوص التراثية في المستوى المتقدم للناطقين بغير العربية وفق المدخل الاتصالي: الحديث النبوي وعلومه نموذجا. أبحاث مؤتمر إسطنبول الدولي الثاني. تحرير: صنوبر وآخرون، إسطنبول: إيثار.

علي، إسلام يسري. (2016). مراجعة كتاب الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات: دراسة، تدريس، تقييم. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. كوالالمبور: الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.

مدكور، علي أحمد. (2016). الإطار المعياري العربي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. القاهرة: دار الفكر العربي.

Herzog, Martha. (2015).  An overview of the history of the ILR Language proficiency skill level descriptions and scale. Interagency Language Roundtable. Retrieved 17-12-2015