الأهمية التعليمية لأخطاء المتعلمين اللغوية

الأهمية التعليمية لأخطاء المتعلمين اللغوية

 

تعد الأخطاء اللغوية في منهج تعليم اللغة العربية التقليدي عيبا تعليميا يتخذ منها كل من المعلم والمتعلم موقفا سلبيا. يرى المعلم أن الأخطاء تنتج دوما من فشل المتعلم في استيعاب المدخلات اللغوية التي يقدمها له، فيغضب عليه كلما أخطأ ويحذره من الوقوع في ذلك الخطأ مرة أخرى.   وبدوره يرى المتعلم أن الأخطاء اللغوية التي يرتكبها هي أوضح ما يعكس ضعف مستواه في اللغة العربية وفشل تعلمه إياها. فيشعر بالخجل من ارتكابها ويخاف من الوقوع فيها عندما يمارس اللغة العربية.

ولكن في المنهج التعليمي الحديث تُعد الأخطاء اللغوية مهمة وضرورية ولم تَعد عيبا تعليميا يشتكي منه المعلم ويخاف منه المتعلم. وترجع أهمية الأخطاء في المقام الأول إلى أنها تمثل قناة الاتصال بين المعلم والمتعلم حيث يكتشف من خلالها ما يجابه المتعلم من المشكلات التعلمية واللغوية وما على المعلم أن يفعله لأجل تذليلها من إستراتيجيات تعليمية. بعبارة أدق إن أخطاء المتعلم اللغوية أمر يمكن أن يستغله المعلم للتعرف على مشكلات طلابه في تعلم العربية ومن ثم اتخاذ الإجراءات التعليمية اللازمة للتغلب عليها. إنها بمثابة الإرشادات التعليمة التي توجه كل من المعلم والمتعلم نحو التعليم والتعلم الأكثر فعالية.    

إن أخطاء المتعلم اللغوية لا تأتي من فراغ وإنما هناك أسباب تقف وراءها لغوية كانت أم تعليمية. وهي أيضا لا تحدث من غير فائدة وإنما تحمل وتأتي بشيء يمكن أن يستفيد منه كل من المعلم والمتعلم. لذلك فعلى المعلم أن يتخذ موقفا تعليميا إيجابيا نحو أخطاء المتعلم ليدرك ما يختفي وراءها ويستفيد مما تعنيه لمآرب تعليمية، وذلك من خلال ما يلي:

1.   تحديد "مناطق الصعوبة" في القواعد اللغوية التي يصعب على المتعلم استيعابها وإجادتها فيؤدي ذلك إلى أن يخطئ فيها. إنه من الطبيعي أن يكون في اللغة العربية ما يسهل على المتعلم تعلمه وما يصعب عليه تعلمه، فالجوانب التي تتشابه فيها لغته واللغة العربية تكون سهلة عليه، وعلى نقيض ذلك فالجوانب التي تختلف فيها اللغتان تكون صعبة عليه.

وعليه فليستفد المعلم من أخطاء المتعلم في تحديد الموضوعات الصعبة ليبادر إلى معالجتها ويعطيها قدرا كبيرا من العناية التعليمية.

2.   مراجعة المواد التعليمية التي تقدم من خلالها تلك الموضوعات التي أخطأ فيها المتعلم. ذلك لأن الأخطاء قد تنتج من المواد التعليمية التي لا تتصف أصلا بالتعليمية كتلك التي تستمد من الكتب اللغوية التي تصاحبها الأمثلة الجافة غير القابلة للتطبيق.

وعليه فينبغي أن يقوم المعلم بتسهيل هذه المادة وتبسيطها ليتسنى للمتعلم تناولها واستيعابها أو يعد مواد جديدة أكثر فائدة وفعالية.  

3.   مراجعة طريقة التدريس التي يتم بها تعليم الموضوعات التي أخطأ فيها المتعلم. ذلك لأن أخطاءه في ممارسة موضوع معين من اللغة العربية قد ترجع إلى الطريقة غير الفعالة التي يقدم بها المعلم هذا الموضوع. فالطريقة التي تركز على الشرح النظري المطول المعقد من دون اهتمام بالممارسة قد لا تساعد المتعلم على فهم المادة بل تزيده في تعلمها حيرة.

وعليه فينبغي أن يعيد المعلم النظر في الطريقة المتبعة والوسيلة المستعملة في تعليم المادة ليجعلهما أكثر ملاءمة لطبيعة المادة وأكثر تحقيقا لأهدافها وأكثر تسهيلا للفهم والاستيعاب.   

 

إلى جانب ما تقدم ذكره فإن الأخطاء التي يرتكبها متعلمو اللغة العربية يمكن إحسان استغلالها في تحقيق قدر كبير من المبادئ التعليمية ومنها تحديد مواضع تكوين العادات اللغوية.

كل خطأ يرتكبه المتعلم يمثل في الغالب جانبا صعبا من اللغة العربية لم يتعود المتعلم على ممارسته لاختلافه عما تعود عليه في لغته، ومن ثم فعلى المعلم أن يركز على هذا الجانب ويعطيه قدرا كافيا من التدريب والممارسة حتى يتعود عليه المتعلم ويكون عادة لغوية جديدة له.

 

ومن مظاهر أهمية أخطاء المتعلم في تحقيق مبادئ التعليم أنها تفيد المعلم في تحديد الأولويات التعليمية؛ وذلك لأنها تعكس بالضرورة مشكلة تعليمية آنية وواقعية تواجه المتعلم تجب معالجتها فورا. فالموضوعات التي أخطأ فيها المتعلم ينبغي أن يسجلها المعلم في قمة الأولويات التعليمية التي يجب أن يعالجها قبل غيرها من الموضوعات فورا من دون تأجيل.

 

وأخطاء المتعلم اللغوية يمكن الاستفادة منها أيضا في نوعين من التطوير التعليمي هما تطوير المنهج التعليمي وتطوير الكتاب التعليمي. أما فيما يتعلق بتطوير المنهج فيجب تسجيل الموضوعات التي يخطئ فيها المتعلم ضمن المواد الأساسية في مقررات المنهج، وأما في إعداد الكتاب التعليمي فتعد أخطاء المتعلم أهم مدخلات لغوية يجب أن يستمد منها الكتاب التعليمي. إن الكتاب التعليمي الجيد هو الذي يقدم للمتعلمين ما يلبي احتياجاتهم اللغوية، وينمي مهاراتهم ويصحح أخطاءهم، وأهم ما يحقق هذه المهمة الاستفادة من أخطائهم اللغوية التي هي انعكاس ما لديهم من مشكلات تعليمية واحتياجات لغوية.

 

كل ما سبق ذكره يؤكد أن أخطاء المتعلم اللغوية إذا اتخذ منها المعلم موقفا تعليميا سليما ونظر إليها المتعلم نظرا إيجابيا ستعود على كل منهما بفوائد تعليمية كبيرة تزيد عملية تعليم اللغة العربية فعالية. إنها لا تعكس مشكلات المتعلم اللغوية واحتياجاته التعلمية فحسب وإنما أيضا توجه المعلم إلى ما يحل به تلك المشكلات ويلبي به تلك الاحتياجات. وذلك في نهاية المطاف سيؤدي بعملية تعليم اللغة العربية إلى أقصى درجة من الفعالية؛ لأن المتعلم لا يتلقى إلا ما يحل مشكلاته اللغوية ويلبي احتياجاته التعليمية ولا يختار المعلم من مادة ولا موضوع ولا يستخدم طريقة ولا وسيلة لتعليمها إلا في إطار تذليل ما يجابه المتعلم من المشكلات اللغوية وتلبية ما يهمه من الاحتياجات التعليمية.    

 

خادم لغة القرآن الكريم

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونيسيا

 

 مدونات الكاتب