معا نخدم لغة القرآن Together, we serve the language of Al-Quran

11 /9/ 2017

سلبيات استعمال الترجمة وإيجابياته في تعليم العربية لغة أجنبية

تعد الترجمة في التعليم التقليدي للغة العربية لغة أجنبية من أفضل الأساليب التي كاد المعلمون لا يعرفون غيرها. وشاع يومها استعمال ما يسمى بطريقة النحو والترجمة التي من أهم ملامحها ترجمة النصوص العربية إلى لغة الدارسين مع بيان ما فيها من التراكيب النحوية.

وكان التعليم على هذه الطريقة يسير بشكل سلبي بحيث ينحصر دور الدارسين على الاستماع إلى ترجمة المعلم للنصوص وشرحه لما فيها من التراكيب النحوية ثم تسجيلها في كراساتهم ولا يتدربون على أقل قدر من الاتصال اللغوي الشفهي. ونتيجة مثل هذا التعليم انحصار كفاءة الدارسين في الإلمام بالنحو والقدرة على الترجمة وذلك على حساب المهارات الاتصالية اللغوية الأخرى وهي الاستماع والكلام والكتابة. 

ولما تغيرت اتجاهات تعليم اللغات الأجنبية إلى المهام الاتصالية ظهرت طرائق تعليمية كثيرة ردا على طريقة النحو والترجمة واتجاهاتها الترجماتية. ولعل أبرز تلك الطرائق الطريقة المباشرة والطريقة السمعية الشفوية اللتين دعا أنصارهما في المقام الأول إلى تحرير عملية تعليم اللغات الأجنبية من قيد الترجمة. ورأى هولاء أن طريقة النحو والترجمة لا تتماشى مع أبرز طبيعة للغة وأهم مبادئ تعليمها وهو أن اللغة اتصال ويجب أن يكون تعليمها وتعلمها لأجل الاتصال ولمآرب اتصالية.

فعلى ذلك دعا المعنيون بتعليم العربية لغة أجنبية والمنشغلون فيه إلى الاستغناء التام عن الترجمة واللغة الوسيطة وشجعوا على تدريب الدارسين الأجانب على التفكير باللغة العربية وإكسابهم مهاراتها الاتصالية. فبدلا من الترجمة يتكلم المعلمون باللغة العربية ويستعملون من الوسائل والأساليب ما يساعدهم على توضيح المعنى وإيصاله للدارسين. وأهم ثمار مثل هذا التعليم أن يعيش الدارسون أثناء تعلمهم اللغة العربية جوا لغويا يساعدهم على إجادتها سياقيا واستعمالها اتصاليا.

ولكن مع ذلك وعلى الرغم من شيوع هذه الاتجاهات الاتصالية الحديثة وإشارة نتائج الدراسات العلمية إلى ضعف فعالية تعليم اللغة من خلال الترجمة والشرح النحوي فإن طريقة النحو والترجمة لم تزل لها مكانها في تعليم اللغة العربية حيث يلجأ إليها غير قليل من المعلمين وتتبناها المناهج التعليمية في كثير من برامج تعليم اللغة العربية في الدول الأجنبية. ولعل أهم ما يختفي وراء ذلك هو عامل تدني الكفاءات الاتصالية للمعلمين الذين كان معظمهم قد نشؤوا وتدربوا في تعلم اللغة العربية على التعليم اللغوي المركز على معالجة النصوص من خلال الشرح النحوي المترجم. وذلك إلى جانب الاتجاه السلبي في عموم برامج تعليم اللغة العربية ذاتها وهو الاتجاه الذي يركز على مهارة قراءة النصوص دون العناية بالمهارات الشفوية الاتصالية.

وأهم ما يترتب على ذلك أن يعجز دارسو اللغة العربية عموما عن إجادتها اتصاليا وتنحصر حصيلتهم اللغوية في المعرفة اللغوية وهي الإلمام بالنحو والصرف. وعليه تنحصر معاملتهم مع اللغة العربية على قراءة النصوص وترجمتها ولا تتجاوز ذلك إلى مرحلة التكلم بها والكتابة بها وهذا مما يكوّن الانطباع بأن العربية لغة صعبة لا تربو إجادتها على فهم نصوصها والإلمام بقواعدها وأنها ليست لغة اتصالية يمكن التواصل الشفوي بها في الحياة اليومية.

لماذا أدت الترجمة بالتعليم إلى هذه السلبيات وكيف؟ هناك نظريات كثيرة تجيب عن هذا السؤال لعل أهمها كون الترجمة تغلق باب المحاكاة التي هي أساس اكتساب اللغة وتعلمها. النظريات النفسية اللغوية تؤكد أن المتعلم يمارس اللغة التي يتعلمها على أساس ما يرى ويسمع ممن حوله. كلما يرى أحدا يقوم بالأداء اللغوي ويستمع إلى ما يصدر منه من كلام يفترض من ذلك افتراضا لغويا يقوم به في موقف لغوي مماثل في وقت آخر. أي بكلمة أدق فإن أداء المتعلم اللغوي عبارة عن محاكاته لأداء غيره. كل هذا يعني أن المعلم المترجم الذي يفضل تعليم العربية باللغة الوسيطة يغلق باب المحاكاة ويحرم المتعلم من إجادتها كما ينبغي.

إلى جانب ذلك فإن الترجمة تقلل ما يستحقه المتعلم من التعرض اللغوي وما يحتاج إليه من فرص ممارسة اللغة. اللغة سلوك وتستحيل إجادتها إلا بكثرة الممارسة ودوامها. إذا أتيح للمتعلم ما يكفي من الفرص ليعيش مع اللغة العربية ويتعرض لها في حجرة الدراسة فسيجيدها بكل تأكيد. أما إذا تكلم المعلم باللغة الوسيطة وترجم المحتوى العربي المراد تعليمه فستضيع فرصة التعرض للغة العربية في حجرة الدراسة ويتعذر على المتعلم إجادتها.

والترجمة كذلك تؤدي إلى التعليم غير الدقيق ولا تعوّد المتعلم على التفكير باللغة والانفعال بها. إنه من سنة الله تعالى أن تكون اللغات تختلف فيما بينها لما تتميز به كل منها من خصائص اجتماعية وثقافية فلا يمكن ترجمة كل المعانى أو الأفكار التي تحملها لغة إلى لغات أخرى بصورة سليمة ودقيقة. فإذا أصر المعلم على ترجمة تلك المعاني والأفكار تعذر على المتعلمين التفكير باللغة الهدف ومالوا إلى فهمها على نظام المعنى والقيم الثقافية الاجتماعية في لغتهم.     

 ولكن مع تلك السلبيات فإن الترجمة لها مكانها وفعاليتها في مواقف معينىة ومحددة من عملية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها منها في قياس فهم المقروء. فلأجل معرفة مدى فهم المتعلمين للنصوص العربية المقروءة يمكن للمعلم أن يدربهم على ترجمتها إلى لغتهم على أن يكون الهدف من ذلك اكتشاف مدى نقل الأفكار في ترجمة المتعلم وليس دقة لغته وصحة تعبير ه في الترجمة.

ومن إيجابيات الترجمة أنها أيضا تصلح الاستعانة بها كخيار بديل في شرح معاني الكلمات أو العبارات العربية الصعبة التي إذا أصر المعلم على شرحها باللغة العربية استغرق ذلك كثيرا من زمن الحصة التعليمية. إن اللجوء إلى الترجمة في مثل هذه المواقف ليس عيبا تعليميا بل يزيد التعليم فعالية.

 

خادم لغة القرآن الكريم

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونيسيا

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 /7/ 2017

فن التصحيح التوجيهي للأخطاء الكلامية

عملية التكلم باللغة العربية أثناء تعلمها ليست عملية لغوية فقط، إنما هي أيضا عملية نفسية. فإذا تكلم طالب أجنبي باللغة العربية في حجرة الدراسة أمام معلمه وزملائه مثلا فذلك لا يعني أنه قد تمكن من إصغاء أفكاره في أصوات العربية وكلماتها وتراكيبها فحسب، وإنما يعني أيضا أنه قد تمكن من تجاوز حواجز نفسية تعوق كل عملية الكلام مثل الخوف والتردد والقلق وغيرها من المعوقات النفسية. كم من متعلم للعربية أجاد العربية وألم بفنونها لكنه استسلم أمام هذه المعوقات فلم يشارك في الممارسة اللغوية الصفية مما يؤدي إلى تدني مستواه الاتصالي الشفهي.  

هذه المشكلات النفسية قد تؤدي بمتعلمي اللغة العربية إلى ارتكاب أخطاء في كلامهم يمكن وصفها بأنها "أخطاء سطحية" وليست "أخطاء تحتية"، وهي الأخطاء التى تحدث بسبب تعرض المتعلم للمواقف النفسية أثناء التكلم مثل التردد والاستعجال وعدم التركيز، لا بسبب عدم معرفته لقيود القواعد العربية.

ودور المعلم هنا أن يحسن المعاملة مع هذه الأخطاء، ومن ذلك أن يصححها تصحيحا توجيهيا يثير به انتباه الطالب ليدرك الأخطاء التي تقع في كلامه ويوفر له ما يساعده على تصحيحها بنفسه مع تقدير جهوده الكلامية وعدم التقليل من رغبته التعلمية. وفي المقابل ينبغي ألا يصحح المعلم تلك الأخطاء تصحيحا مقاطعا مليما يؤخذ به المتعلم ويقلل من جهوده الكلامية ورغبته التعلمية.

ومن أشكال التصحيح التوجيهي أن يذر المعلم الطالب الذي يرتكب خطأ لغويا في كلامه بدون مقاطعة حتى يكمل كلامه. ثم بعد أن ينتهي من كلامه يعيد المعلم الجملة التي قالها مع تصحيح ما فيها من خطأ ليدرك من خلالها الطالب خطأه ويستفيد منها كيف يصححه.

وفيما يلي مواقف صفية وردت في دروس مهارة الكلام يمارس فيها المعلم التصحيح التوجيهي لأخطاء الطالب الكلامية:

المعلم: تكلم عن مهنة والدك.

الطالب: سبق أن يعمل والدي في وزارة التعليم.

(ثم قال المعلم للطلاب "قال أخوكم إن والده سبق أن عمل في وزارة التعليم").

المعلم: كم سنة عمل والدك في الوزارة؟

الطلب: ثلاثة سنوات.

(ثم قال المعلم: قال إن والده عمل في الوزارة ثلاث سنوات).

ومن الجدير بالتنبيه هنا أن ينطق المعلم الكلمة التي أخطأ فيها الطالب بصوت فيه نوع من التركيز والتأكيد والنبر البارز تصاحبه حركات أو إيماءات تثير انتباه الطالب لما فيه من التصحيح.    

ومن التصحيح التوجيهي أيضا أن يقترح المعلم على الطالب الذي يرتكب خطأ لغويا في كلامه ما يصحح به الخطأ من أسئلة استفسارية توجيهية، كما يتضح من الموقف التالي:

المعلم: لماذا تتعلم اللغة العربية؟

الطالب: لأنها أجمل اللغات في الدنيا.       

المعلم: هل تريد أن تقول "لأنها أجمل اللغات في العالم؟".

الطالب: نعم.

المعلم: الآن قل ما تقصد مرة أخرى.

الطالب: لأنها أجمل اللغات في العالم.

(ثم واصل المعلم) 

المعلم: كم سنة تعلمت اللغة العربية؟

الطلب: تعلمت اللغة العربية ثلاثة سنوات.

المعلم: هل تريد أن تقول تعلمت اللغة العربية ثلاث سنوات؟

الطالب: نعم.

المعلم: إذن، الآن قل ما تقصد مرة أخرى.

الطالب: تعلمت اللغة العربية ثلاث سنوات.

ويجدر التنبيه هنا أن يطرح المعلم هذه الأسئلة التصحيحية التوجيهية (خاصة ما فيها من التصحيح) بنطق فيه نوع من التركيز والتأكيد تصاحبه حركات أو إيماءات تثير انتباه الطالب لما يصحح أخطاءه.   

ومن التصحيح التوجيهي أيضا أن يناقش المعلم أخطاء الطالب مع زملائه عن طريق طرح الجملة التي أخطأ فيها ويطلب من أحدهم أن يكررها مع ما يلزم تصحيحه كما في الموقف الآتي:

المعلم: ماذا ستفعل بعد تخرجك من هذه المدرسة.

الطالب 1: أريد أن أستمر دراستي في جامعة الأزهر بالقاهرة.

المعلم: (مشيرا إلى طالب آخر) كرِّرْ ما قال.

الطالب 2: هو يريد أن يواصل دراسته في جامعة الأزهر بالقاهرة.

المعلم: نعم، هو يريد أن يواصل دراسته في جامعة الأزهر بالقاهرة.

ومن الجدير بالتنبيه هنا أن الطالب الثاني الذي كلفه المعلم بأن يكرر جملة الطالب الأول مع تصحيح ما فيه من الأخطاء هو من يعتقد المعلم أنه يعرف الخطأ وكيف يصححه. والمعلم عندما يكرر الجملة المصححة يكررها بنوع من التأكيد من خلال النبر والحركات والإيماءات المشيرة إلى ما وقع من التصحيح.

هذه الأساليب التصحيحة التوجيهية الثلاثة تمثل عملية تعليمية إيجابية تساعد الطلاب على تنمية مهارتهم الكلامية عن طريق تذليل المشكلة النفسية التي تصاحب أخطاءهم الكلامية وتوفير ما يصححونها به من خلال السياق التعليمي الاتصالي والتفاعل اللغوي الطبيعي. وهذا التصحيح التوجيهي إن حسن تطبيقه سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى جو تعليمي تعلمي مشوق يتعلم من خلاله الطلاب اللغة العربية بصورة أفضل.  

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية
سونن أمبيل بإندونيسيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


23 /5/ 2017
مبدأ التدرج والمنهجية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

 إن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها كشأن أي عملية تعليمية عموما يجب أن يتسم بالتدرج والمنهجية. التدرج يضمن له حسن القبول والاستمرارية، والمنهجية تؤكد أنه عملية غير عشوائية. وإلى جانب ذلك فإن أهم ما يؤكد ضرورة مراعاة مبدأ التدرج والمنهجية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها كون اللغة العربية متنوعة العناصر والمهارات التي لا يمكن تعليمها دفعة واحدة، وكون متعلمي العربية الأجانب لديهم خصائص لغوية ونفسية تتطلب المعاملة التعليمية معهم بصورة منهجية.

وأهم مبادئ التدرج والمنهجية في تعليم الغة العربية للناطقين بغيرها يتمثل في عبارة "تعليم السهل قبل الصعب". وهو ببساطة أن يقدم المعلم لطلابه ما يراه سهلا قبل ما يراه صعبا. وتحديد السهولة والصعوبة هنا يستند إلى معايير منها مدى تشابه المواد المدروسة بلغة الطلاب ومدى اختلافها عنها. فالمواد التي لها تشابه بلغة الطلاب تعد سهلة والعكس صحيح. ففي تعليم الأصوات مثلا، تعد أصوات الباء، والتاء، والدال، والراء، والكاف، واللام، والميم، والنون، تعد من الأصوات السهلة لما بينها وبين أصوات عموم اللغات الأجنبية من تشابه، ومن ثم يجب تقديمها قبل أصوات الثاء، والذاء، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والعين، والغين، والقاف، التي تعد من الأصوات العربية الصعبة لغياب المقابل لها في أصوات معظم اللغات الأجنبية.

أما في تعليم المفردات فيمكن أن يتم تطبيق مبدأ السهل قبل الصعب من خلال تعليم المفردات المحسوسة قبل المجردة. وعلى هذا فمفردات مثل الكتاب، والمدرسة، والسيارة، والبيت، والأستاذ، وغيرها من المفردات المحسوسة، يجب تقديمها قبل المفردات المجردة مثل ماهر، ونشيط، ومريح، وحزن، وفرح، وما شابه ذلك. 

كما يمكن أن يتم هذا المبدأ من خلال تعليم المفردات النشيطة قبل المفردات الخاملة. وعليه يقدم المعلم للطلاب المبتدئين مثلا مفردات بيئتهم التي يحتاجون إلى الاتصال بها مثل الكتاب، والقلم، والسبورة، وغيرها، قبل المفردات التي ليسوا في حاجة إليها مثل المنهج، والدراسة، والمناقشة وغيرها من المفردات التي لا تنتمي إلى بيئتهم. 

أما في تعليم التراكيب فتتمثل مراعاة مبدأ السهل قبل الصعب في تعليم التراكيب العربية التي تشابه ما يتعود عليها الطلاب في لغتهم الأم قبل الأخرى التي لم يتعودوا عليها. وعلى هذا فالتركيب العربي الاسمي الذي لا يخالف تراكيب معظم اللغات الأجنبية يجب تقديمه للطلاب الأجانب قبل نظيره الفعلي الذي يخالف تراكيب جمل اللغات الأجنبية عموما. كما تتمثل مراعاته في تقديم التراكيب البسيطة قبل الأخرى المركبة، فيقدم المعلم الجملة البسيطة "درس الطلاب النحو" قبل الجملة المركبة "درس الطلاب النحو ولكن لم يحسنوا تطبيقه في كلامهم".  

وأما في تعليم المهارات اللغوية فتتمثل مراعاة مبدأ التدرج من خلال تعليم المهارات اللغوية بنفس الترتيب الذي يكتسب به الأطفال لغتهم الأم وهو الترتيب الطبيعي: الاستماع -الكلام –القراءة -الكتابة. ويطبق هذا في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من خلال تزويد الطلاب بمهارة الاستماع في المقدمة ثم تليها مهارة الكلام، ثم القراءة، ثم الكتابة. 

ويتمثل مبدأ التدرج أيضا في تعليم المهارات الاستقبالية قبل الإنتاجية أي تعليم الاستماع والقراءة قبل الكلام والكتابة. ومن مراعاة هذا المبدأ أن يدرب المعلم طلابه على الاستماع قبل تدريبهم على الكلام، ويدربهم على القراءة قبل تدريبهم على الكتابة. ويؤكد المعلم وجود التدرج بين هذين النوعين من المهارات من خلال نقل أثر التدريبات بينهما وهو أن يتدرب الطلاب على مهارتي الكلام والكتابة على أساس ما قد درسوه في مهارتي الاستماع والقراءة. إذا تدرب الطلاب في درس الاستماع على عبارات التحية مثلا فعلى المعلم أن يدربهم على ممارسة هذه العبارات في درس الكلام.

ويتمثل هذا المبدأ أيضا في تعليم المهارات الآلية الميكانيكية قبل المهارات العقلية. ويتمثل ذلك في تعليم مهارة الاستماع في تدريب الطلاب على الاستماع الآلي (مجرد تعرف الأصوات وتمييزها) قبل تدريبهم على الاستماع العقلي (لأجل استقبال المعنى والرسالة). ويتمثل في تعليم مهارة الكلام في تدريبهم على الكلام الآلي (المركز على الجانب النطقي البحت دون المعنى) قبل تدريبهم على الكلام العقلي (لأجل إيصال المعنى والتعبير عن الفكرة). ويتمثل في تعليم مهارة القراءة في تدريب الطلاب على القراءة الآلية (مجرد تحويل المكتوب إلى المنطوق) قبل تدريبهم على القراءة العقلية (القراءة لأجل استقبال المعنى والرسالة). ويتمثل في تعليم مهارة الكتابة في تدريب الطلاب على الكتابة الآلية (الكتابة بدون إيصال المعنى والرسالة) قبل تدريبهم على الكتابة العقلية (الكتابة لأجل إيصال المعنى والرسالة).

 وجدير بالذكر هنا أن مبدأ التدرج في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لا يتعلق فقط بالمواد التعليمية وكيفية اختيارها وتنظيمها وتقديمها، وإنما يتعلق أيضا بالموارد البشرية التي تقوم به. إنه يحتاج إلى المعلمين المؤهلين الذين لديهم إلمام عالي المستوى بخصائص اللغة العربية ولغة الطلاب المتعلمين على حد سواء. إذا تمتع المعلم بهذه الكفاءات فسيتسنى له اكتشاف ما بين العربية ولغة الطلاب من تشابه واختلاف ومن ثم يسهل عليه تحديد مناطق الصعوبة والسهولة ليعتمد عليها في رسم أولويات التعليم ومنهجيته، وإلا فقد يتم تعليم اللغة العربية من خلال تنظيم عشوائي وتقديم غير منهجي لا يزيد التعليم إلا تعقيدا.

 

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بإندونيسيا

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

21 /3/ 2017

مبدأ التشويق في تعليم اللغة العربية

 إن تعليم اللغة العربية وتعلمها لدى الناطقين بغيرها عملية نفسية إلى حد كبير، فهناك عوامل نفسية كثيرة يتوقف عليها نجاح عملية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أهمها الدافعية والاتجاهات. وعندما تكون هذه العوامل إيجابية تأتي نسبة نجاحهم في تعلّم العربية عالية، وعندما تكون سلبية يتعرضون لكثير من المشكلات النفسية مثل الملل والكسل وانعدام الدافعية وسوء الاتجاهات وغيرها مما ينتج عن النظرة السلبية نحو اللغة العربية ويؤدي بهم غالبا إلى الفشل في إجادتها. 

ثمة ما يجب مراعاته لإحسان إدارة تلك العوامل النفسية ومنع هذه المشكلات النفسية وهو ما يسمى بالتشويق. والتشويق ببساطة يعني تكييف تعليم اللغة العربية بشتى عناصره ليكون عملية مشوقة للدارسين. وعملية تعليم العربية المشوقة هي التي تتوافر فيها مواقف تعليمية تساعد الدارسين على تعلمها بحالات نفسية إيجابية تتمثل عندهم في اتجاهات سليمية نحوها ودافعية قوية في إجادتها. 

والتشويق في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يمكن توفيره من خلال تكييف العناصر التعليمية مثل المعلم، والمواد التعليمية، والطريقة التعليمية، والبيئة اللغوية. وأهم عوامل إحداث التشويق هو المعلم لأنه يمثل المحور الأساسي للعناصر التعليمية والمحرك الرئيس للأنشطة التعليمية. وأهم ما يمكّن معلم اللغة العربية من تقديم التعليم المشوق أنه يجب أن يتمتع بدرجة كافية من الكفاءات المعرفية والاتصالية والثقافية في اللغة العربية. بهذه الكفاءات يتسنى له أن يكون قدوة لغوية للدارسين يفيدهم ويستفيدون منه فيما يلبي احتياجاتهم اللغوية ويكون لديهم سلوكا لغويا يتعوّدون به على الاتصال باللغة العربية وفقا لمستواهم وبصورة يتصل بها أهلها. 

إلى جانب ذلك فالمعلم من هذا النوع يمكن أن يمثل مستشارا وموجها للدارسين يسألونه عما يشكل عليهم من الدروس ويوجههم إلى ما يفيدهم من المعلومات اللغوية الإضافية ليكتمل بها ما ورد في دروسهم. مثل هذا التعلم الاستشاري التوجيهي يزيد الدارسين مشاركة في التعليم من جانب ويزيد التعليم ذاته تشويقا من جانب آخر، لأنه يفتح للتعلم قنوات متنوعة يتلقى منها الدارسون ما يفيدهم من التشجيع، والإثارات، والاستجابات، والتعزيزات، والتوجيهات، وحل المشكلات، وغيرها مما يوفر لهم أجواء التشويق أثناء التعلم. 

إلى جانب المعلم فالمواد التعليمية أيضا تشكل عاملا مهما يمكن تكييفه لتوفير جو التشويق في تعليم اللغة العربية. وتتصف مواد تعليم اللغة العربية بالتشويق إذا استمدت من الاحتياجات اللغوية الاتصالية الواقعية للدارسين واستوعبت ما يعيشون من بيئة وثقافة. فمواد تعليم مهارة الكلام مثلا تكون مشوقة إذا اتخذت أشكال تعبيرات المجاملة، والشكر، والتبريكات، والتهنئة، والاعتذار، والاستعلام، والموافقة، والمخالفة، والطلب، والاستئذان، وغيرها من تعبيرات لغة التواصل الواقعي. كما أنها تكون مشوقة إذا تم تقديمها من خلال موضوعات البيئة والثقافة الخاصة بالدارسين مثل حوار حول ظاهرة معينة في ثقافتهم أو نص حول القصص الشعبية المشهورة في مجتمعهم، أو أبطال بلدهم وأساطيره ورجاله البارزين. كل هذه المواد سينفعل بها الدارسون لأنها تتناول بيئتهم وثقافتهم وحياتهم ومن هنا يأتي التشويق. 

وجو التشويق يمكن أيضا توفيره من خلال تكييف طريقة التعليم. وتتسم طريقة تعليم اللغة العربية بالتشويق إذا وفرت في حجرات الدراسة جوا تعليميا فعالا مريحا يمكن الدارسين من تعلم اللغة العربية بدرجة عالية من الفعالية والسهولة دون التعرض للخوف والضغوط. فطريقة تعليم مهارة الكلام مثلا تكون مشوقة إذا وفرت للدارسين ما يكفي من الفرص لممارسة اللغة العربية من خلال المواقف التعليمية الوظيفية. أو إذا أحدثت تعرضا لغويا فعالا عن طريق الحوار، والمناقشة، والمناظرة، والألعاب اللغوية، ولعبة الأدوار، وغيرها من الأنشطة التعليمية التي يتدرب من خلالها الدارسون على الاستخدامات الشفوية للغة العربية. أو إذا وظفت أنواعا مختلفة من الوسائل التعليمية التي تساعد المعلم على تقديم الخبرات اللغوية بجودة عالية وبأسلوب فعال من جانب ويساعد الدارسين على سهولة التلقي والاستقبال، ودقة الفهم والإدراك، وفعالية المشاركة والاستجابة. 

العامل الآخر الذي لا يقل أهمية في توفير جو التشويق في تعليم اللغة العربية هو البيئة التعليمية. وتعتبر البيئة الصفية أو حجرة الدراسة من أهم ما يجب تكييفه لتوفير جو تعليمي مشوق. ولأجل ذلك يجب أن يكون الصف صغيرا يضم عددا غير كبير من الدارسين لإحداث التفاعل الفعال بين المعلم والدارسين ولإثارة المدارسة والتعلم التعاوني بين الدارسين. وأن يكون الصف أيضا مجهّزا بالوسائل التعليمية التي تجعل الدارسين يشعرون بأنهم يعيشون "بيئة عربية" مثل الصور، والرسومات، واللافتات، والأناشيد، وغيرها مما يأتي بأفكار عن بيئة اللغة العربية وثقافتها.    

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية

في سونن أنبيل بإندونيسيا

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

19 /12/ 2016

تدشين أول مكتبة أهلية لتعليم اللغة العربية ودراستها في إندونيسا

في الوقت الذي قام فيه عشاق اللغة العربية في كل أنحاء العالم بالاحتفالات التخليدية لليوم العالمي للغة العربية (18 كانون الأول) شهد عشاق اللغة العربية في إندونيسيا أمس الأول (السبت 17 كانون الأول 2016م) مناسبة يمكن وصفها بأنها تاريخية غير مسبوقة في مجال تعليم اللغة العربية ودراستها بإندونيسيا، وهي تدشين مكتبة خاصة لتعليم اللغة العربية ودراستها سميت بمكتبة مدرسة الألسن للأبحاث الألسنية وتعليم اللغة العربية.

وتتخذ هذه المكتبة مدينة سيدوارجوا بولاية جاوة الشرقية إندونيسيا مقرًّا لها، وجاء التدشين

في حفلة عقدت في مقر مدرسة الألسن حضرها كبار شخصيات المنطقة وأساتذة الجامعة والباحثون والمعلمون والدارسون وغيرهم من المعنيين بتعليم اللغة العربية ودراستها.

تعد المكتبة أول مكتبة أهلية في إندونيسيا تقدم خدمة للجميع في توفير الكتب والمراجع في مجال تعليم اللغة العربية ودراستها. وقد تأسست هذه المكتبة منذ عام 1989م كمكتبة خاصة لمدير مدرسة الألسن الشيخ محمد ناصر عبد الرحمن ولكن على الرغم من ذلك فقد فتحت أبوابها منذ تأسيسها للمعنيين بتعليم اللغة العربية ودراستها من أساتذة الجامعة والباحثين والمعلمين والدارسين. بعض الجامعات والمعاهد والمدارس استفادت منها عن طريق تصوير ما توفر فيها من الكتب والمجلات لإغناء مكتباتها.

وبعد أن ازداد عدد كتبها كما ونوعا وعدد زوارها يوما بعد يوم جاءت فكرة تعميم خدمتها وتدشينها مكتبة للجميع لأجل إفادة أفضل للمعنيين بدراسة اللغة العربية وتعليمها، كما قال الشيخ محمد ناصر عبد الرحمن مدير مدرسة الألسن في كلمته الترحيبية في حفلة التدشين "إن الهدف الرئيسي من تعميم إدارة مكتبة مدرسة الألسن هو إفادة أكثر عدد ممكن من المعنيين بدراسة اللغة العربية وتعليمها وتعلمها في إندونيسيا". 

إضافة إلى ذلك فإن هذه المكتبة غنية بل يمكن وصفها بأنها أغنى المكتبات الألسنية العربية في إندونيسيا كما ونوعا حيث تضم ما لا يقل عن 400 كتاب في دراسة اللغة العربية وتعليمها، كما تضم ما لا يقل عن 300 عدد من المجلات في الدراسات الألسنية العربية الصادرة من الجامعات والمؤسسات في الشرق الأوسط مثل جامعة الملك سعود بالرياض، ومجمع اللغة العربية الأردني، ومركز الملك عبد الله لخدمة اللغة العربية بالرياض، وغيرها من الجامعات الرائدة والمؤسسات البارزة في الدول العربية. وذلك إلى جانب عدد كبير من الكتب العربية غير المصنفة التي تتناول مجالات مختلفة وفنون متباينة من اللغة، وقد تم جمع هذه الكتب وتوفيرها منذ أكثر من عشرين سنة على نفقة خاصة من مدير مدرسة الألسن الشيخ محمد ناصر عبد الرحمن.

هذا من حيث الكم، أما من حيث النوع فتميزت المكتبة بأنها تضم أنواعا مختلفة من الكتب في الدراسات الألسنية العربية النظرية بشتى مجالالتها وتخصصاتها مثل الدراسات الصوتية والصرفية والنحوية والبلاغية والدلالية والمعجمية والتداولية والخطابية وغيرها من المجالات الألسنية سواء كانت من الكتب التراثية أم الحديثة والمعاصرة. كما تمتاز برفوفها الغنية بالمراجع في الدراسات الألسنية التطبيقية وفي مقدمتها كتب تعليم اللغات الأجنبية بصفة عامة وتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بصفة خاصة. وذلك إلى جانب ما تضم من أنواع المعاجم والقواميس في شتى المجالات والتخصصات مثل معاجم اللغة العربية المعاصرة، ومعاجم علم اللغة النظري والتطبيقي، ومعاجم المصطلحات في مجالات مختلفة مثل الاستخبارات والهندسة والصيانة والمساحة والكهرباء والمعمارية والزراعية والسيارات والطبية والعسكرية والجغرافية وغيرها من معاجم المصطلحات النادرة التي لم تتوفر في مكتبات الجامعات المعنية بدراسة اللغة العربية بإندونيسيا.

 تعد هذه الخدمة المكتبية لمدرسة الألسن خطوة تقدمية كبيرة في مجال تعليم اللغة العربية ودراستها بإندونيسيا، ومن المتوقع أن تحظى باستجابة إيجابية من المعنيين باللغة العربية سواء كانوا من المؤسسات التربوية أم من المجتمع العام نظرا لكون مدرسة الألسن شائعة الصيت بفضل ما بذلت من جهود كبيرة وما لعبت من أدوار بارزة في مجال تعليم اللغة العربية ودراستها بإندونيسيا.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بإندونيسيا.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

31 /10/ 2016

مبدأ التكوين في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

 تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها رغم ما استوعب من التطورات المنهجية فإنه يجب أن يحافظ على ما يطلق عليه "مبدأ التكوين"، وهو أن يركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على تكوين عادات لغوية جديدة عند الدارسين وفقا للخصائص اللغوية والثقافية للغة العربية. والوصف بـ"جديدة" هنا يعني أن العادات اللغوية المراد تكوينها هي ما تختص به اللغة العربية ويختلف عما يعتاد عليه الدارسون في لغتهم.

وتعد عملية تكوين العادات اللغوية من أهم مبادئ تعليم اللغة العربية لغة أجنبية.  لأن اللغة العربية –مثل غيرها من اللغات الأجنبية- تختلف على كثير من المستويات عن لغة دارسيها الأجانب. فالدارس الأجنبي أيا كانت جنسيته عندما  يتعلم اللغة العربية يجد أصواتًا تختلف عن أصوات لغته، وقواعد تخالف قواعد لغته، وتعبيرات ليس لها مقابل في لغته، بل يجد فيها منطقًا لغويًّا لم يتعوّد عليه في لغته. فتصبح اللغة العربية في مثل هذه الحالة جديدة عليه  مما يعني أنه يجب أن يتعلم هذه الجوانب الجديدة من اللغة العربية حتى يتعود عليها. وهنا يمكن أن يلعب المعلم دوره في مساعدته على تذليل مشكلة  التفاوت بين اللغتين، ومن هنا تأتي أهمية التعليم على أساس التكوين اللغوي.

هذا المبدأ التكويني يجب أن يدركه جيدا كل من معلم اللغة العربية ودارسيها ليسعوا إلى العناية بها في مهامهم التعليمية التعلمية. وفي ضوء هذا المبدأ أصبح تعليم العربية للناطقين بغيرها بالنسبة إلى المعلم يركز على تدريب الدارسين على استعمال اللغة الجديدة المختلفة عن لغتهم صوتيا وصرفيا ونحويا وتركيبيا ودلاليا. وبالنسبة إلى الدارسين أصبح يتمثل في الانتقال من العادات اللغوية التي يعتادون عليها في ثقافتهم إلى العادات اللغوية الجديدة المختلفة وهي استعمال اللغة العربية بجميع خصائصها.

وتعليم اللغة العربية على المبدأ التكويني ليس بالأمر البسيط ولا بالسهل لكونه عملية متعددة الأبعاد وهي البعد التعليمي واللغوي والنفسي والثقافي. أما بعدها التعليمي فيتمثل في كونها عملية تعليمية يجب أن تسير على أهداف معينة، ومن خلال مواد تعليمية معينة، وعلى طرائق وإستراتيجيات معينة، وتقاس نتيجتها بمعايير معينة. كل هذه العناصر التعليمية يجب أن يتم اختيارها وتحديدها وتنظيمها لتحقيق هدف مشترك وهو تزويد الدارسين بخصائص اللغة العربية وتدريبهم على استعمالها في مختلف أنواع الاتصال بصورة سليمة خالية قدر الإمكان من تأثير لغتهم الأم.

 أما بعدها اللغوي فيتمثل في كونها عملية تركز على اكتشاف جوانب الاختلاف بين اللغة العربية ولغة الدارسين على جميع المستويات. وجوه الاختلاف بين اللغتين هي من أهم ما يمنع الدارسين من إجادة اللغة العربية؛ لأنها تفتح بابا للغتهم الأم أن تدخل أثناء ممارستهم اللغة العربية مما يجعل أداءهم في اللغة العربية غير سليم. لذلك يجب تزويد الدارسين بخصائص اللغة العربية وتدريبهم على ممارستها بشيء من التركيز.  

أما بعدها النفسي فيتعلق بكونها عملية تعمل على تغيير السلوك اللغوي الذي يعتاد عليه الدارسون إلى ما هو جديد عليهم. اللغة سلوك على حد قول علماء اللغة السلوكيين وعليه فتعليم اللغة العربية يعني تعويد  الدارسين على استخدام اللغة لتكون سلوكا لغويا يعتادون عليه في حياتهم الاتصالية. وعملية تكوين السلوك اللغوي هذه تتطلب ما يكفي من التعرض اللغوي صفيا وغير صفي كما تحتاج إلى التعويد المكثف والممارسة المستمرة.

وأما بعدها الثقافي فيتمثل في كونها عملية تهتم بتدريب الدارسين على الاتصال باللغة العربية كما يتصل بها الناطقون بها في بيئتهم وثقافتهم. اللغة ثقافة على حد قول علماء اللغة الاجتماعيين أي أن التفاهم اللغوي لن يتحقق بين المتاواصلين باللغة إلا إذا ألموا بالثقافة التي تنتمي إليها اللغة. وعلى هذا الأساس يعني تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تمكين الدارسين من الاتصال باللغة العربية كما يتصل بها أهلها وأبناؤها في بيئتها الأصلية.

وتحقيقا لهذا المبدأ التكويني يحتاج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها إلى عناصر تعليمية قوية ولعل أهمها المعلم المؤهل تعليميا ولغويا وثقافيا. والمعلم على هذا المستوى إما أن يكون من الناطقين بالعربية الذين لديهم ما يكفي من الإلمام بخصائص لغة الدارسين وثقافتهم، وإما من الناطقين بغير العربية الذين يتمتعون بمستوى عال من إجادة اللغة العربية من الناحيتين اللغوية والثقافية على حد سواء. ويشترط في نجاح هذه المهمة أن يكون المعلم قادرا على إجراء التحليل التقابلي الدقيق بين اللغة العربية ولغة الدارسين لكشف ما بينهما من التشابه والاختلاف. ثم يقوم بمعالجة تعليمية تركز على جوانب الاختلاف بين اللغتين ويدرب الدارسين على ما تختص به اللغة العربية حتى يتمكنوا من ممارستها اتصاليا رغم اختلافها عن العادات اللغوية التي يعتادون عليها في لغتهم.

إلى جانب ذلك فإن التعليم التكويني يحتاج إلى المواد التعليمية التي يتم إعدادها بناء على مراعاة الاحتياجات اللغوية والثقافية للدارسين. وهي المواد التي توفر لهم ما يمكنهم من استخدام اللغة العربية بصورة سليمة كما يستخدمها أهلها من جانب، وما يساعدهم على التخلص من التدخل والتأثير السلبي  للغتهم الأم في أدائهم اللغة العربية من جانب آخر.  والمواد التعليمية المطلوبة بهذه المواصفات يمكن إعدادها على أساس نتائج التحليل التقابلي بين اللغة العربية ولغة الدارسين أو نتائج تحليل الأخطاء اللغوية التي يرتكبها الدارسون عند استخدامهم اللغة العربية. بعبارة أخرى فإن المواد المطلوبة هنا هي التي تعلم الدارسين من العربية ما يختلف عن لغتهم وعما يعتادونه فيها وتصحّح أخطاءهم اللغوية وفقا لخصائص اللغة العربية. 

والعملية التكوينية في تعليم العربية لغة أجنبية تحتاج أيضا إلى ما يكفي من التعرض اللغوي في الصف وخارجه؛ لأن هذه العملية عملية تكوين السلوك لن تتحقق إلا في بيئة يتكثف فيها التطبيق والممارسة والأداء. وتعد مثل هذه البيئة التعليمية عاملا في غاية الأهمية في عملية التعليم التكويني يتوقف عليه نجاح العاملين السابق ذكرهما. فالمعلم رغم ما قد يتمتع به من التأهيل التعليمي واللغوي والثقافي لن يذوق فعالية التعليم إذا وجد نفسه في جو تعليمي جاف خال من التعرض اللغوي. كذلك المواد التعليمية فإنه رغم ما تحويه  من الخبرات اللغوية والثقافية الغنية فإنها لن تحدث تعليما فعالا وناجحا إذا لم يتم تقديمها في جوّ تعليمي تتكثف فيه الممارسة اللغوية.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بإندونيسيا 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

26 /9/ 2016

المركز الدولي لاختبار اللغة العربية بإندونيسيا

 تم تعيين الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونيسيا مركزا دوليا لاختبار  اللغة العربية لغة أجنبية. وجاء ذلك بعد توقيع مذكرة تفاهم بين المكتب العام للتعليم الإسلامي العالي التابع لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية وإدارة الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل في مقر  هذه الجامعة  بمدينة سورابايا يوم الخميس 23 سبتمبر 2016م.

جاء هذا التوقيع على هامش الندوة الدولية الموسومة "تعليم اللغة العربية تطويرات وإبداعات" التي قدمها  البروفيسور إيكهارد شولتز من معهد الدراسات الشرقية بجامعة لايبزيغ بألمانيا. وهو صاحب كتاب العربية المعاصرة، والبرنامج المحوسب لتعليم العربية واختباراتها الذي هو المرجع المعتمد عليه في برامج تعليمية واختبارية بهذا المركز.

وقال الدكتور أمثال بختيار مدير المكتب العام للتعليم الإسلامي العالي إنه بهذا التعاون تتولى  الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل  خدمات رعاية اللغة للفئات الأربع  وهي  الطلاب الذين يشاركون في برنامج "5000 دكتور" في جامعات الشرق الأوسط، ومعلمو اللغة العربية في المدارس الإندونيسية، وأساتذة اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية، والمجتمع الراغب في تعلم اللغة العربية.

ومن جانبه قال عبد القادر ريادي رئيس وحدة رعاية اللغة التابعة للجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل إن الجامعة من خلال مركز التفوق لتعليم اللغة العربية واختبارها ستقوم في ضوء  هذا التعاون بتعليم اللغة العربية على معيار المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية(ACTFL) ، واختبارها على معيار  الإطار الأوربي المرجعي المشترك للغات (CEFR).  

وأكد أن هذا الاختبار المُحوسب المقنن هو الوحيد في منطقة جنوب شرق آسيا مما يعنى أن متعلمي اللغة العربية ومعلميها من دول المنطقة يمكن أن يشاركوا فيه لقياس كفاءاتهم في اللغة العربية.  

 خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بإندونيسيا

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 /8/ 2016

سمات برامج تعليم اللغة العربية الجيّدة

 شهد مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في العقود الأخيرة نشأة عدد متزايد من البرامج التعليمية سواء كانت في الدول الناطقة بالعربية أم الناطقة باللغات الأخرى. وهذا يعني من جانب أن الجهود التعليمية لنشر اللغة العربية لغة أجنبية أصبحت مهمة يسعى الجميع لتحملها والقيام بها ليس فقط من أبناء العربية وإنما أيضا من الناطقين بغيرها، ويعني من جانب آخر أن تعليم اللغة العربية لغة أجنبية حظي بقبول حسن واسع وصار دعوة يلبيها عدد متزايد من أبناء المجتمع الدولي.

انتمت برامج تعليم اللغة العربية عموما إلى الجامعات والمعاهد واتبعت نظامها التعليمي. وفي هذا السياق يمكن ذكر بعض البرامج الناجحة من باب المثال لا الحصر مثل برامج تعليم اللغة العربية التابعة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وجامعة أفريقيا العالمية بالسودان، وجامعة مرمرة بتركيا، وجامعة لايبزغ بألمانيا. هذه البرامج رغم ما بينها من تباين في المنهج والنظام الإداري يمكن أن توصف بأنها ناجحة في إدارة تعليم اللغة العربية لغة أجنبية. ويمكن رصد ما لوحظ من خبرات هذه البرامج وإدارتها  في نقاط تسمى سمات برامج تعليم اللغة العربية الجيدة، وهي:

1.      منهج متكامل مطوّر

من سمات برنامج تعليم اللغة العربية الجيد أنه يسير سعيا لتحقيق أهداف تعليمية لغوية واضحة.
والأهداف يمكن أن تتباين وتختلف من برنامج لآخر  ولكنها يجب أن تتصف بالاتصالية. وهي أن تكون المهام الأساسية للبرنامح تأهيل المتعلمين لغويا واتصاليا أي تمكينهم من استخدام اللغة العربية في شتى ألوان الاتصال تحقيقا لمآرب اتصالية مختلفة.

ومن سماته أيضا أن يستخدم كتابا تعليميا مطورا يقدم للمتعلمين مواد تعليمية لغوية اتصالية تزودهم بالمعرفة اللغوية وتدربهم على المهارات اللغوية على حد سواء. وهو كتاب تم إعداده لأجل تشبيع الاحتياجات اللغوية الاتصالية الواقعية للمتعلمين وتأهيلهم نحو المستوى اللغوي الذي يناسبهم.

ومن سماته أيضا أن يوظف في تعليم اللغة العربية طرائق التدريس الحديثة التي ثبتت فعاليتها علميا وعمليا في مجال تعليم اللغات الأجنبية. ويتم اختيار الطرائق قبل توظيفها بناء على مدى تناغمها مع طبيعة اللغة العربية وتلاؤمها مع خصائص متعلميها. كما يتم بناء على فعاليتها في تمكين  المتعلمين من الإلمام باللغة العربية نظامًا والاتصال بها مهارةً.

ومن سماته أيضا أنه يستعين بالوسائل التعليمية الحديثة في نقل المعلومات والخبرات التعليمية اللغوية للمتعلمين، وأن يوفرها لهم في بيئتهم التعليمية ويحثهم على استعمالها تعلما ذاتيا لإغناء خبراتهم اللغوية.

ومن سماته أيضا أنه يضع معيارا واضحا وقابلا للتقويم والتقييم في متابعة نمو المتعلمين وتقدمهم في تعلم اللغة العربية بشتى جوانبها معرفية كانت أم مهارية. وذلك للتأكد من إجادة المتعلمين اللغة العربية عندما ينتقلون من مرحلة تعليمية إلى أخرى أو عندما ينتهون من تعلمهم.

2.      موارد بشرية متميزة

من سمات برنامج تعليم اللغة العربية الجيد في هذا الجانب أنه تدعمه الموارد البشرية المتميزة سواء كانت في هيئة الإدارة أم في هيئة التعليم. فمن الملاحظ أن نجاح برامج تعليم اللغة العربية التابعة للجامعات السالف ذكرها يعود في المقام الأول إلى إسناد إدارتها إلى خبراء متخصصين في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتكوّن هيئتها التعليمية من المعلمين المأهلين في مجال تعليم العربية لغة أجنبية.

إن بناء مناهج تعليم اللغة العربية وإدارتها وتطويرها وترجمتها إلى العملية التعليمية ليس بالأمر البسيط. إنه عملية تستند إلى نظريات قوية وتُنفذ من خلال إجراءات منظمة ومرتبة يتعذر القيام بها على غير  الخبراء والمتخصصين.

 3.      نظام مكثّف

من سمات برنامج تعليم اللغة العربية الجيد في هذا الجانب أنه يطبق نظاما تعليميا لغويا مكثفا. وهو أن يتم التعليم يوميا من خلال خصص تعليمية وضعت بشكل منظم ومتدرج. ومن الملاحظ أن برامج تعليم اللغة العربية التابعة للجامعات السالف ذكرها كلها تسير على هذا النظام.

والنظام المكثف له فعالية كبيرة في تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها لأنه يوفر  للمتعلمين نسبة كبيرة من التعرض اللغوي الذي يخلق جوا تعليميا وبيئة لغوية يتمتعون فيها بما يكفي من الساعات لاكتساب اللغة وممارستها.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بإندونيسيا. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

28 /4/ 2016

إطلاق أول برنامج مُحَوْسَب لتعليم العربية واختبارها بإندونيسيا

 تم هذا اليوم (الأربعاء 27 أبريل 2016م) إطلاق برنامج مُحَوْسَب لتعليم العربية واختبارها في الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بسورابايا في إندونيسيا.

وجاء ذلك في إطار التعاون بين هذه الجامعة وجامعة لايبزيغ بألمانيا في مجال تعليم اللغة العربية الذي وقّع عليه كل من البروفيسور إيكهارد شولتز ممثلا لجامعة لايبزيغ والبروفيسور عبد الأعلى ممثلا لجامعة سونن أمبيل.

يعتبر هذا البرنامج هو الأول من نوعه على مستوى جنوب شرق آسيا ويتولى إدارته مركز التفوق لتعليم اللغة العربية واختبارها التابع لوحدة رعاية اللغة بالجامعة الإسلامية الحكومية بسونن أمبيل.

يحتوى هذا البرنامج على قسمين: قسم التعليم وقسم الاختبار. أما قسم التعليم فيركز على التعليم المحوسب للغة العربية مستخدما الكتاب الإلكتروني "العربية المعاصرة" الذي يحتوى على التسجيلات الصوتية للقواعد، والمفردات، والنصوص، والحوارات بالعربية الفصحى وأربع من أبرز اللهجات العربية، وتدريبات الاستماع. ويتميز  هذا الكتاب التعليمي بأنه تم إعداده على معايير  المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية ACTFL (American Council of Foreign Languages) من المستوى الابتدائي إلى المستوى المتوسط.

أما في قسم الاختبار  فيركز  هذا البرنامج على الاختبار المحوسب لكفاءات اللغة العربية(Al-Arabiyya online Test)  الذي يعد أول اختبار محوسب للغة العربية صُمّم على معايير  الإطار الأوربي المرجعي المشترك للغات: تعلما وتعلميا وتقويما (CEFR- Common European Framework of Reference for Languages: Learning, teaching, assessment)

وينقسم هذا الاختبار إلى ثلاثة مستويات: أ1/أ2، ب1/ب2، ج1/ج2، وكل مستوى له معايير من الكفاءات والأهداف على النحو التالي:

- المستوى أ-1 للمستخدم المبتدئ (Basic User) ولأجل الكفاءات المبتدئة  (Basic) ، والهدف منه أن يتمكن الدارس من الفهم والتحاور بشكل بسيط.

 المستوى أ-2 للمستخدم المبتدئ (Basic User) ولأجل الكفاءات الابتدائية  (Elementary) . والهدف منه أن يتمكن الدارس من فهم الجمل والعبارات الشائعة مثل: البيانات الشخصية، والأسرة، والعمل.

المستوى ب-1 للمستخدم المستقل (Independent User) ولأجل الكفاءات المتوسطة (Intermediate)  . والهدف منه أن يتمكن الدارس من فهم النقاط المهمة في الموضوعات المعينة مثل العمل، والدراسة، والتسلية، وغيرها. ومن وصف الخبرات، والحوادث، والطموحات، والآمال.

المستوى ب-2 للمستخدم المستقل (Independent User) لأجل الكفاءات المتوسطة العليا (Upper Intermediate) . والهدف منه أن يتمكن الدارس من فهم الأفكار الرئيسية من الجمل أو الفقرات المركبة  والتواصل مع الناطق الأصلى بطلاقة.

المستوى ج-1 للمستخدم الماهر (Proficient User) ولأجل الكفاءات المتقدمة(Advanced)  والهدف منه أن يتمكن الدارس من التعبير عن الأفكار بطلاقة وارتجالية  ومن استخدام اللغة بصورة فعالة ومرنة.

المستوى ج-2 للمستخدم الماهر (Proficient User) ولأجل الكفاءات المتفوقة (Mastery) والهدف منه أن يتمكن الدارس من فهم المعلومات المسموعة والمقروءة بسهولة ووصف نفسه بصورة عفوية ودقيقة في مواقف مختلفة.

 

وعقدت في إطار إطلاق هذا البرنامج ندوة دولية تحت موضوع "نحو طريقة جديدة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها"، وتحدث فيه باحثان كان الأول البروفيسور إيكهارد شولتز الذي تناول الموضوع من خلال بحثه الموسوم بـ"البرنامج المحوسب لتعليم العربية واختبارها. أما الباحث الثاني فهو الدكتور نصر الدين إدريس جوهر الذي تناول الموضوع من خلال بحثه الموسوم بـ"تفعيل تعليم اللغة العربية للناطقين بالإندونيسية: مناهجه وأساليبه".

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونيسيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


24 /4/ 2016

ندوة دولية بإندونيسيا لتصميم منهج للغة العربية 

عقدت الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بالتعاون مع اتحاد معلمي اللغة العربية في إندونيسيا "الندوة الدولية وورشة عمل في تصميم المنهج الدراسي لشعبة اللغة العربية على معايير الإطار الوطني للمؤهلات"، وذلك على مدار ثلاثة أيام من يوم الجمعة حتى يوم الأحد 22 - 24 أبريل 2016م. انعقدت الندوة والورشة في فندق "غرينسا" التابع للجامعة وحضرهما قرابة 100 مشارك من الخبراء والباحثين والمعلمين ورؤساء شعبة تعليم اللغة العربية وشعب اللغة العربية وأدبها في الجامعات الإندونيسية وأعضاء اتحاد معلمي اللغة العربية.

افتتحت الندوة مساء الجمعة بكلمات الترحيب لكل من نائب مدير الجامعة للشؤون  الأكاديمية الدكتور محمد شمس الهدى، ورئيس اتحاد معلمي اللغة العربية البروفيسور إمام أسراري، ورئيس اللجنة التنفيذية للندوة الدكتور عتيق محمد رمضان. وعقد بعد حفلة الافتتاح اجتماع لتأسيس اتحاد رؤساء شعب اللغة العربية وأدبها في الجامعات الإندونيسية وضع فيه نظامه التنظيمي وانتخب رئاسته الأولى.

استمرت فعالية الندوة وورشة العمل في يومها الثاني بعقد ثلاث جلسات قدمت كل منها بحوثا تعالج بعض القضايا الآنية التي يتعرض لها تعليم اللغة العربية على المستوى الدولي والوطني خاصة ما يتعلق بتصميم المناهج الدراسية وتطبيقها وتطويرها في ضوء مواكبة التطورات التربوية المعاصرة واستجابة متطلباتها.   

تمحورت الجلسة الأولى حول الحديث عن قضية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ومحاولة تذليلها. وتحدث فيها باحثان كان الأول البروفيسور إيكهارد شولتز من جامعة لايبزيغ بألمانيا الذي عالج القضية من خلال بحثه الموسوم بـ"مناهج تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي: تجربة جامعة لايبزيغ بألمانيا". أما الباحث الثاني فهو الدكتور نصر الدين إدريس جوهر من الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونيسيا الذي عالج القضية من خلال بحثه المعنون بـ"قراءة ما في السطور وما بين السطور وما وراء السطور: المنهج المقترح لتعليم مهارة القراءة على المستوى الجامعي".

تمحورت الجلسة الثانية حول قضية تعليم اللغة العربية في ضوء المناهج المعاصرة. وشارك فيها باحثان، كان الأول الدكتور على بن معيوف المعيوف الذي عالج القضية من خلال بحثه الموسوم بـ"تعليم النحو العربي بالخارطة التركيبية". أما الباحث الثاني فهو البروفيسور إمام أسرارى من جامعة مالانق الحكومية الذي تناول القضية من خلال بحثه المعنون بـ"تحديد مواصفات الخريجين والتحصيل الدراسي لبرامج تعليم اللغة العربية وأدبها في الجامعات الإندونيسية".

وتمحورت الجلسة الثالثة حول قضية اللغة العربية ومستقبلها، وتحدث فيها الباحث الأستاذ أسامة محمد علي غريبة من خلال بحثه الموسوم بـ"اللغة العربية التحديات والمواجهة".

واختتمت فعالية الندوة في يومها الثاني بعقد اجتماع شارك فيه رؤساء شعبة تعليم اللغة العربية وشعبة اللغة العربية وأدبها في الجامعات الإندونيسية وكان هدفه الرئيسي تبادل الإفادة والاستفادة بينهم حول خبراتهم في تطوير المناهج الدراسية وتنفيذها في برامج تعليم اللغة العربية واستيعاب المشكلات البارزة والمتطلبات المستجدة لأجل تطوير إطار مرجعي مناسب لمنهج تعليم اللغة العربية.

 واستمرت فعالية  الندوة في اليوم الثالث بثلاث جلسات كانت الأولى تهدف إلى تدقيق ما دار في اليوم الثاني من الحديث عن الإطار المرجعي لمنهج تعليم اللغة العربية. أما الجلسة الثانية فهي عرض خطة العمل لاتحاد رؤساء شعبة تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية (Konsorsium PBA). وأما الجلسة الثالثة فتم فيها تعيين الهيكل التنظيمي لاتحاد رؤساء شعبة اللغة العربية وأدبها في الجامعات الإندونيسية(Konsorsium BSA) لفترة العمل 2016-2019م تحت قيادة الدكتور فاضل منور منصور رئيسا  والدكتورة  أسوة حسنة سكرتيرة.

 واختتمت الندوة والورشة بكلمات لكل من نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية للشؤون الأكاديمية الدكتور أسيب عباس عبد الله ورئيس اتحاد معلمي اللغة العربية في إندونيسيا البروفيسور إمام أسراري.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل – إندونيسيا.

31 /3/ 2016

مشكلات في تعلم المفردات وعلاجها تعليميا

 المفردات من العناصر الرئيسية التي تتكون منها اللغة إلى جانب الأصوات والتراكيب. وعليه فتعليم المفردات يشكل جزءا مهما لا تستغني عنه برامج تعليم اللغات الأجنبية بما فيها اللغة العربية. ولكن مع هذه الأهمية يلاحظ أن تعلم مفردات اللغة العربية وتعليمها لدى المتعلمين الناطقين بغيرها يتعرص لبعض المشاكل مما يؤدي إلى ضعفهم فيها.

وبما أن المفردات عنصر يكوّن جميع المهارات اللغوية فتعرضهم لهذه المشاكل يعرقل عملية إجادتهم اللغة العربية في جميع مهاراتها. وهذه المشاكل تتخلص فيما يلي:

1.    مشكلة نطقية وهي أن المتعلم قد لا يستطيع أن ينطق الكلمات بشكل صحيح كأن ينطق كلمة "هدَف" بسكون الدال (هَدْف)، أو "وَحدة" بكسر الواو (وِحْدَة). ويقع المتعلم في هذه المشكلة النطقية عندما يقرأ ويتكلم.

2.    مشكلة كتابية وهي أن يكتب المتعلم الكلمة كتابة غير سليمة كأن يكتب "شيئ" بدلا من "شيء"، أو  "قرائة" بدلا من "قراءة"، أو "مبارات" بدلا من "مباراة".

3.    مشكلة دلالية وتتمثل في عدة أشكال منها أن لا يعرف المتعلم معنى الكلمة أو يعرفه ولكن على تصور خاطئ. ومنها أن يعجز المتعلم عن التمييز بين معان كلمة واحدة في سياقات مختلفة، كأن لا يستطيع التمييز بين معنيي كلمة المكتب في الجملتين: "وضعت الحقيبة على المكتب" و "وضعت الحقيبة في المكتب". أو التمييز  بين معنيي كلمة "تناول" في الجملتين: "تناولت الفطور مع الزملاء" و "تناولت الموضوع مع الزملاء".

ومنها أيضا أن يخزن المتعلم في ذاكرته معنى خاطئا لكلمة معينة فيفهمها خطأ عند ورودها في الجملة، فيفهم مثلا عبارة "من جديد" على أنها تعني "آنفا" أو "قبل قليل"، فيفهم جملة "عاد أحمد إلى بيته من جديد" على أنه عاد إلى بيته آنفا أو قبل قليل. أو عندما يستخدم الجملة "وصلت من جديد" ردا على السؤال "متى وصلت؟".

4.    مشكلة سياقية وهي أن يعجز المتعلم عن استخدام الكلمة في سياق الجملة الصحيح شفهية كانت أم كتابية رغم أنه يفهم معناها. كأن يقول المتعلم "أنا رياضة كل صباح للحفاظ على الصحة"  بدلا من "أنا أمارس الرياضة كل صباح للحفاظ على الصحة".

هذه المشكلات في المفردات يتعرض لها المتعلم أثناء تعلمه اللغة العربية وغالبا ما تكون مع المفردات من الأنواع الآتية:

1.    المفردات التي أخذها من القاموس ووضعها في قائمة مع ما يقابلها في لغته ثم حفظها. ومشكلاته مع مثل هذه المفردات أنه غالبا ما لا يعرف كيف ينطق بها ولا كيف يعبر بها في الجملة، لأن القاموس عموما لا يفيده إلا بالمعنى المفرد، ولأنه لم يأخذ تلك الكلمات من سياق استخدامها.

2.    المفردات التي أخذها أثناء القراءة الذاتية أو مما سمع من كلام الآخرين وأخذ معناها من القاموس. ومشكلته مع مثل هذه المفردات أنه قد يجد ويأخذ من خيارات المعنى في القاموس ما لا يناسب الكلمة في السياق.

3.    المفردات التي أخذها أثناء القراءة الذاتية أو مما سمعه من كلام الآخرين وأخذ معناها مما فهم من السياق.  ومشكلته مع هذه المفردات أن المتعلم  قد يخطئ في إدراك معناها السياقي فيفهمها بما لا يناسبها دلاليا.

4.    المفردات التي أخذها أثناء التعليم مما قدمه المعلم عن طريق الشرح الشفوي دون اللجوء إلى الكتابة سواء كانت كتابة الكلمة أم الجملة التي توضح استخدامها. ومشكلته هنا أن المتعلم قد لا يعرف كيف يكتب الكلمة ولا كيف يستخدمها في سياق الجملة.

يتضح مما سبق أن المشكلات في تعلم المفردات تنتج غالبا من طريقة تعلمها. ويمكن التغلب على هذه المشكلات تعليميا وذلك من خلال تطبيق أساليب التعليم التي تعمل كل خطوة من خطواتها الإجرائية على تذليل كل من المشكلات الأربع البارزة في تعلم المفردات وهي ما يتعلق بنطق الكلمة وكتابتها ومعناها واستخدامها. وتأتي هذه الخطوات على الترتيب الآتي:

1.    تعليم النطق بها. وهو أن يبدأ تعليم المفردات بنطقها نطقا سليما بهدف تزويد المتعلمين بمدخلاتها الصوتية والنطقية. وهذا الجانب الصوتي مهم جدا حيث يساعد المتعلم على إدراك المفردات المدروسة عند تعرضه اللغوي سواء كان أثناء الاستماع أم الكلام.

2.    تعليم كتابتها. وهو أن يقدم المعلم الشكل المكتوب للكلمات ليدرك المتعلم الرسم الكتابي للكلمات التي تدرب عليها نطقا. وهذه المعلومات ستفيده في استخدام الكلمات سواء في القراءة أم في الكتابة.

3.    تعليم معناها. وهو أن يشرح المعلم معنى المفردات شرحا يحمل المتعلم على الفهم الإدراكي وذلك من خلال الأساليب المعينة مثل الاقتران بالصور، والتمثيل بالحركات، والشرح بالمرادف والمضاد، والتوضيح بالعبارة والجمل، وغيرها من الأساليب التي تساعد على إدراك المعنى السياقي للكلمة.

4.    تعليم استخدامها. أن يقدم المعلم جملة أو عبارة تتكون من الكلمات المدروسة ليعرف المتعلم كيف يستخدم الكلمات في معناها الصحيح وفي سياقها السليم.  

 

هذه الخطوات التعليمية عند إحسان اتباعها سوف تزود المتعلم بالمفردات بجميع جوانبها التعليمية التعلمية وهي النطق والكتابة والمعنى والاستخدام. وعليه فسيتمكن المتعلم من نطق المفردات نطقا سليما في الكلام وإدراكها إدراكا صوتيا سليما في الاستماع. ويتمكن من كتابتها بصورة صحيحة عند الكتابة ويدركها إدراكا بصريا سليما في القراءة. ويتمكن من إدراك معناها وسياق ورودها بشكل دقيق يساعده على استخدامها السليم في الفهم (الاستماع والقراءة) والتفهيم (الكلام والكتابة).

 

خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أمبيل بإندونسيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

8 /2/ 2016

إشكال التمثيل في تعليم النحو العربي للناطقين بغير العربية

النحو بكونه نظاما يحكم به الاتصال اللغوي يعد عنصرا رئيسيا من عناصر اللغة العربية. وعليه فتعليمه ضروري لمتعلمي اللغة العربية خاصة من الناطقين بغيرها؛ لأن إجادتهم للغة العربية ومهارتهم فيها استقبالية كانت أم إنتاجية تتوقف على مدى إلمامهم بنحوها وأدائهم في تطبيقه اتصاليا.

لكن تعليم النحو في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يتعرض لمشاكل كثيرة تؤدي في أغلب الأحيان إلى شيوع الانطباع لدى المتعلمين بأنه معقد وصعب للغاية. هذا الانطباع له ما يبرره إلى حد ما نظرا لأن النحو عبارة عن النظام اللغوي الذي يتعلق بالقواعد، والضوابط، والمستثنيات، والصحة، والخطأ، والشذوذ، وغيرها من القيود التي من الطبيعي أن يشعر المتعلم بالصعوبة في تعلمها والإلمام بها.  

ولكن الانطباع بصعوبة النحو العربي وتعقيده لا ينتج فقط من كونه نظاما وإنما أيضا من سوء طريقة تعليمه في حجرات الدراسة، فمن الملاحظ أن المعلمين كثيرا ما يقدمون دروس النحو بطريقة لا تسهل فهمه وتطبيقه وإنما تزيده صعوبة وتعقيدا. ومن ذلك أنهم يقدمون الموضوعات النحوية من خلال أمثلة غير فعالة في توضيحها وتفهيمها أو أمثلة غير صادقة لا تحقق ما وضعت لأجله، كما جاء في السطور الآتية:

1.    توضيحا لقاعدة أن التاء المربوطة أهم ما يميز بين الاسم المذكر والمؤنث قد يقدم المعلم الأمثلة التالية:

-            المذكر: المسجد، البيت، القلم.

-            المؤنث: المدرسة، السبورة، السيارة.

هذا المثال بدون أدنى شك لا يخالف القاعدة التي وضع لتوضيحها، لكنه لم يوضح بالتركيز  الفكرة التي يريد المعلم تفهيمها وهي التمييز بين المذكر والمؤنث. رغم أنه قد جمع أسماء خالية من التاء المربوطة في مجموعة المذكر وأسماء فيها التاء المربوطة في مجموعة المؤنث ولكنه لم يرسل إلى ذهن المتعلم الفرق بين المذكر والمؤنث. المثال يوضح فقط ما هو المؤنث وما هو المذكر ولم يوضح كيف يختلف المذكر من المؤنث، والسبب في ذلك أن الأسماء الواردة في المثال متنوعة ولا تحتوي على "فكرة التاء المربوطة" فقط وإنما تحتوي على متغيرات كثيرة تشتت انتباه المتعلم وتمنعه من التركيز على النقطة المقصودة وهي التاء المربوطة. ويتضح تلاشي الفكرة في المثال السابق إذا قورن بالمثال الآتي:

-       المذكر: الطالب، الأستاذ، المعلم.

-       المؤنث: الطالبة، الأستاذة، المعلمة.

هذا المثال يتكون من كلمات متساوية المبنى والمعنى ولا فرق بينها إلا وجود التاء المربوطة الدالة على التأنيث في المجموعة الثانية. وهو بهذا التركيز يقود انتباه المتعلم إلى نقطة الفرق الوحيدة بين هذه الأسماء وهي التاء المربوطة فيدرك من خلالها أنها تميز بين المذكر والمؤنث. وهو بذلك يتصف بالصدق إذ إنه يركز على ما وضع لأجله وهو توضيح أن التاء المربوطة هي نقطة التمييز بين المذكر والمؤنث، كما أنه يمكن وصفه بالفعالية لأنه يمكن أن يفهّم المتعلم الموضوع دون كثير شرح من المعلم، فهو بعبارة أخرى مثال يوضح نفسه.

2.      توضيحا للفرق بين الجملة الاسمية والفعلية قد يقدم المعلم المثال الآتي:

-   الجملة الفعلية: ضرب زيد محمدا.

-   الجملة الاسمية: هند ذهبت إلى السوق.

أو بهذا المثال:

-   الجملة الاسمية: زيد ضرب محمدا.

-   الجملة الفعلية: ضرب زيد محمدا.

هذان المثالان لا يخالفان شيئا مما تحدده القاعدة بأن الجملة الفعلية ببساطة هي التي تبدأ بفعل والجملة الاسمية هي التي تبدأ باسم. ولكن بعين ناقدة يمكن انتقادهما من جوانب أخرى.

أما المثال الأول فيمكن وصفه بأنه غير دقيق تعليميا لأنه لا يراعي مبدأ "السهل قبل الصعب"، فمن المعروف أن التركيب الاسمي أكثر شيوعا لدى الناطقين بغير العربية من التركيب الفعلي، مما يعني أن جمل اللغة العربية الاسمية بالنسبة إليهم أسهل من جملها الفعلية التي هي من خصائصها. فلذلك ينبغي أن يركز تدريب المتعلم على تحويل التركيب الاسمي إلى التركيب الفعلي أي تدريبهم على تحويل التركيب الذي يشبه ما في لغتهم الأم (وهو سهل عليهم) إلى الآخر الذي يختلف عنه (وهو صعب عليهم) وذلك ليتم نقل الخبرة اللغوية من المألوف السهل إلى الغريب أو الجديد الصعب.

 

من جانب آخر يمكن انتقاد المثال الأول بأنه لا يتمتع بدرجة عالية من الصدق لأنه يوضح الفرق بين التركيبين ولم يقدم ما يساعد على إدراك كيف يتحول أحدهما إلى الآخر. ويتضح ذلك من خلال مقارنته بالمثال التالي:

-          الجملة الاسمية:  محمد كتب رسالة.

-          الجملة الفعلية:  كتب محمد رسالة.

يتضح من هاتين الجملتين بناء كل من التركيب الاسمي والفعلي من جانب وكيف يتحول التركيب الاسمي إلى الفعلي من جانب آخر. ويمكن إدراك ذلك بسهولة لأن الجملتين لا تختلفان إلا في ترتيب كلماتهما.

 

أما المثال الثاني فيُنتقد على عدم اتصافه بالاتصالية لاستخدامه اللغة التي لا تستوعب بيئة اتصالية للمتعلم وأخذها من كتاب النحو الذي لم يكن إعداده للتعليم. تعليم النحو هو تعليم استخدامه اتصاليا فيجب أن تتم معالجته من خلال الأمثلة الحية الواقعية. وعليه فيستحسن أن تستمد فكرة الجمل وكلماتها من بيئة المتعلم لكي يسهل عليه فهمها وتطبيقها اتصاليا.

 

والمثال ينتقد أيضا على عدم الشمول لأنه يقدم وجها فقط من وجوه تغيير الأفعال عند تحويل الجملة الاسمية إلى الفعلية. إنه لم يقدم كيفية تغيير الأفعال في التركيب الاسمي مثل "ضربا، وضربتا، وضربوا، وضربن، ويضربان، ويضربون، ويضربن"، عندما يتحول إلى الآخر الفعلي، كما في المثال الآتي:

 

الجملة الاسمية

الجملة الفعلية

·     الطالبان ذهبا

ذهب الطالبان

·     الطالبتان ذهبتا

ذهبت الطالبتان

·     الطلاب ذهبوا

ذهب الطلاب

·     الطالبات ذهبن

ذهبت الطالبات

·     الطالبان يذهبان

يذهب الطالبان

·     الطالبتان تذهبان

تذهب الطالبتان

·     الطالبات يذهبن

تذهب الطالبات

·     الطلاب يذهبون

يذهب الطلاب

 

3.    توضيحا لعمل أدوات النصب قد يقدم المعلم مثل هذا المثال:

-            أنْ يَذهبَ

-            لَنْ يَذهبَ

-            كَيْ يَذهبَ

-            حَتَّى يَذهبَ

هذا المثال يفتقر إلى الدقة كما يفتقر إلى الشمول. إنه غير دقيق لأنه يقدم عمل أدوات النصب ولم يقدم كيف تعمل. إنه يفاجئ المتعلم بنتيجة عمل هذه الأدوات وهي نصب الأفعال بفتحة ظاهرة على أواخرها ولكنه لم يوضح له كيف تجعل الأدوات تلك الأفعال منصوبة. أما كونه غير شامل فلأنه يقدم علامة واحدة فقط من علامات نصب الأفعال التي دخلت عليها أدوات النصب. ويتضح قصور هذا المثال من مقارنته مع المثال الآتي:

يذهبُ

أنْ يَذهبَ

يذهبُوْنَ

لَنْ يَذهبُوا

 

تذْهَبِيْنَ

كَيْ تذْهَبِي

 تذهَبَانِ

حَتَّى تذهَبَا

 

هذا المثال يقدم بوضوح كيف تعمل أدوات النصب من ناحية وكيف تنصب الفعل المضارع عند دخول هذه الأدوات عليه من ناحية أخرى. أما كيف تعمل الأدوات فوضّحه هذا المثال بوضع الأفعال على حالتها قبل دخول الأدوات وبعد دخولها ليتضح كيف يعمل هذا العامل. أما كيف تنصب الفعل المضارع عند دخول الأدوات فوضحه المثال بوضع الأفعال على أشكالها الصرفية المختلفة ليتضح كيف تنصب الأفعال على أشكالها المختلفة.

يتضح من الملاحظات السابقة أن التمثيل في تعليم النحو ليس بالأمر البسيط ولا السهل. إنه أمر معقد ومتعدد الأبعاد بحيث إنه لا يتعلق بتقديم الجملة التي تناسب القاعدة وتوضحها من الناحية اللغوية فقط، وإنما يتعلق أيضا بتقديمها مع مراعاة عدة جوانب وهي الجانب التعليمي، والنفسي، والاتصالي، والثقافي. لذلك فليهتم المعلمون بهذا الأمر وليغيروا اتجاههم التعليمي ليكون تعليم النحو للناطقين بغير العربية فعالا في مساعدتهم ليس فقط على الإلمام بخصائص النحو العربي وإنما أيضا على استخدامه الفعلي في عملية الاتصال الواقعي.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل بإندونيسيا.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
24 /12/ 2015

القلق في تعليم اللغة العربية لغة أجنبية.. أسبابه وعلاجه

القلق ببساطة يشير إلى حالة نفسية تتمثل في شعور غير سار  يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف والتردد، نتيجة توقع الأخطار القادمة أو الأحداث أو الأوضاع السلبية في المستقبل. ويعتبر القلق رد فعل نفسي طبيعي للضغط وهو قد يحرم شخصا من إحسان التعامل مع الأوضاع الصعبة أحيانا، وقد يساعده على السيطرة عليها أحيانا أخرى.

ويعد القلق من العوامل النفسية المؤثرة على نجاح عملية تعلم اللغة العربية لغة أجنبية، شأن تعلم غيرها من اللغات الأجنبية. عندما يتوجس متعلم العربية في نفسه قلقا يجد نفسه تحت الضغط فلا يستطيع أن يستمتع بما يمر به في تعلمها فيصبح غير مشوق له وغير مريح، الأمر الذي يجعل إجادتها  قد تبدو له بعيدة المنال. وفي المقابل عندما يتحرر المتعلم من القلق ويحرر نفسه من كثير من الحواجز النفسية يجد عملية تعلم العربية مريحة وممتعة، الأمر الذي يمكنه من إجادتها بسهولة إلى حد كبير.

أسباب القلق

القلق في تعلم اللغة العربية يمكن أن يصيب المتعلمين قبل الدراسة، وأثناءها، وبعدها. ويرتبط هذا القلق بعدة مشاعر  أبرزها الخوف.

أما القلق قبل الدراسة فيرتبط بالخوف من الفشل. هذا الخوف عام يعم المتعلمين في جميع مجالات العلم إذ إن الرغبة في النجاح من طبيعة الإنسان، إلا أن الانطباع السلبي الشائع بأن العربية لغة صعبة يزيد هذا الخوف ويجعله يصيب نسبة كبيرة من متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها. كم من متعلم يتردد بسبب هذا الخوف قبل أن يقرر التخصص في اللغة العربية، بل يتنازل ويستسلم أمام السؤال "هل بإمكاني إجادة هذه اللغة التي تبدو  بهذه الدرجة من الصعوبة؟".

أما القلق أثناء الدراسة فيرتبط عادة بشعور غير سار يصيب المتعلمين عندما يجدون أنفسهم قد أنفقوا لأجل تعلمها فترة طويلة من الزمن ومبلغا كبيرا من المال ولم يتمكنوا من إجادتها بشكل ملحوظ يرضون عنه. هذا أحيانا قد يمنعهم من مواصلة التعلم، وقد يشجعهم على تحسينه وتطويره لأجل نتيجة أفضل أحيانا أخرى. وقد يصيب المتعلم هذا الشعور نتيجة ما لا يسره ويريحه من المواقف التعليمية، مثل المواقف السلبية نحو أخطائه اللغوية كالتصحيح المبالغ فيه لأخطائه اللغوية من قبل المعلم أو سخرية زملائه المتعلمين منها، مما يجعله يخاف خوفا شديدا من ارتكاب الأخطاء اللغوية لدرجة يمتنع فيها من ممارسة ما تعلمه من الكلمات والتراكيب والتعبيرات.

أما القلق المرتبط بما بعد الدراسة فيتعلق عادة بالخشية على فرصة العمل أو المهنة التي يمكن أن يشغلها متعلمو اللغة العربية. وذلك لأن فرص العمل المتاحة للمتخصصين في اللغة العربية لا تتوفر  كثيرا  بالمقارنة مع فرص المتخصصين في مجالات أخرى. وهو ما يخشاه كثير  من متعلمي العربية ويتأثرون به نفسيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدني تحصيلهم التعليمي.

معالجة القلق

هذه الأنواع الثلاثة من القلق السالف ذكرها تتراكم في ذهن المتعلم وتزعجه أثناء التعلم، مما يعني أن فترة التعلم تعد وقتا مناسبا لإدارة القلق ليتغلب المتعلم على ما يخاف منه قبل التعلم وأثناءه وبعده. وهنا يلعب المعلم دورا في غاية الأهمية لكونه صاحب الخبرة الذي سبق أن تغلب على هذه المشاعر المؤدية إلى القلق، وبإمكانه أن يساعد المتعلمين على إزالة ما يقلقون منه وإدارته بطريقة تحوله إلى طاقة إيجابية تساعدهم على التعلم الناجح وذلك عن طريق استغلال ما لديه من الفضل الخبري والمعرفي والمهني.

أما القلق الذي يتعرض له المتعلم قبل الدراسة الناتج من الانطباع بأن العربية لغة صعبة فيمكن أن يذلّـلــه المعلم بشكل غير  مباشر من خلال إستيراتيجيات التعليم الميسرة.  ومنها أن يقدم المعلم مواد اللغة العربية بطريقة مبسطة توحي بأنها سهلة التناول والاستخدام مثل التعليم الاتصالي والتفاعلي، ويتجنب إظهار "الوجوه الصعبة" من العربية مثل التركيز المبالغ فيه على التلقين الممل والشرح النظري للقواعد النحوية. ومنها أن يوفر للمتعلمين ما يساعدهم على التعلم السهل والسريع مثل النشاطات التعليمية المشوقة التي تتيح للمتعلمين ما يكفي من فرص الممارسة والتطبيق وتوفر لهم جوا تعلّميا مريحا لاكتساب اللغة. ومنها أيضا أن يقدم لهم ما يوحي لهم بأن العربية لغة سهلة مثل فيديوهات عن الذين يتعلمون اللغة العربية ويتكلمون بها من أبناء اللغات التي بينها وبين العربية اختلاف كبير  وفرق شاسع مثل اليابانيين والكوريين والصينيين.

أما القلق الذي يتعرض له المتعلم أثناء الدراسة فيمكن معالجته بعدة طرائق. أما القلق الناتج من الشعور غير السار  عن حصيلة التعلم فيمكن تذليله من خلال الموازنة بين تزويد المتعلمين بالمعرفة اللغوية وتدريبهم على الأداء اللغوي. مما يعني أن المعلم يجب أن يجمع دوما التعليم النظري والتطبيقي ويسارع إلى تدريب الطلاب على التطبيق المهاري كلما انتهوا من المواد النظرية ولا يترك فجوة زمانية بينهما، فكلما كانت الفجوة الزمانية بينهما كبيرة كان القلق لدى المعلم قويا.

وأما القلق الناتج من المواقف التعليمية السلبية فيمكن أن يتغلب عليه المعلم بأسلوبين أولهما تكوين موقف تعليمي إيجابي في نفسه نحو أي محاولة من المتعلمين لممارسة اللغة. ومن ذلك أن يتجنب كثرة المقاطعة والتصحيح الدقيق المتكرر لأخطائهم اللغوية. المعلم المسامح غير المتشدد يكون أقدر على توفير الجو التعليمي الفعال من المعلم المتشدد غير المسامح،  وثانيهما تكوين المواقف الإيجابية بين المتعلمين نحو ممارسة اللغة بما فيها الأخطاء والاستعمالات غير المناسبة. وعليه يجب أن يُحترم من يحاول ممارسة اللغة ولا يُضحك أو يُسخر منه عندما يرتكب خطأ. كم من متعلم انعدمت ثقته التعلمية بسبب تعرضه للسخرية والإهانة من زملائه حين يحاول ممارسة اللغة.   

وأما القلق المتعلق بما بعد الدراسة الناتج عن خشية متعلمي العربية على مستقبلهم المهني فيمكن أن يعالجه المعلم من خلال التوعية والتشجيعات. ومن ذلك التوعية بأن تعلم اللغة العربية ليس كتعلم غيرها من اللغات، فأول إنجاز  يفتخر  به متعلم العربية هو إنجاز ديني حيث إن إجادته العربية تساعده على فهم دينه وتحسّن معاملته مع مصادره. وهذا الإنجاز  ينفرد به متعلمو العربية ولا تقاس قيمته بأي إنجازات تعليمية أخرى. ومنها توعية المتعلمين بأن العربية بكونها لغة عالمية توفر لهم أنواعا مغرية من مجالات العمل مثل التعليم، والترجمة، والتحقيق، والدبلوماسية، والسياحة، والصحافة، وغيرها من المجالات. مما يعني أن ما ينبغي أن يخشى عليه المتعلمون هو مستواهم اللغوي وليس مستقبلهم المهني. فكلما كان مستواهم اللغوي عاليا كان مستقبلهم المهني مضمونا ومرموقا، والعكس صحيح.

 خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل بإندونيسيا.  

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

22 /11/ 2015

مستويات مهارة القراءة الثلاثة

تعد القراءة أهم طرائق كسب المعلومات على مر العصور والأجيال، فرغم أن اللغة التي هي وسيلة الاتصال البشري نشأت أول ما نشأت على شكلها الصوتي إلا أن تطور الاتصال البشري من أبسط صوَره إلى صورته الحديثة أثبت أن قراءة اللغة المكتوبة هي الأبرز دورا في الاتصال بين أبناء اللغة. وتطور اللغة المكتوبة من شكلها المطبوع على الأوراق إلى المحوسب على الشاشة دليل يصعب إنكاره على أن القراءة هي أفضل ما يمكن اللجوء إليه في تلبية الاحتياجات الاتصالية لهذا العصر  وفي مواكبة مرور المعلومات المتسارع بين أبنائه. وسوف يستمر تتطور أشكال اللغة المكتوبة حتى ما تعجز عنه التوقعات، ولكن مع ذلك يبقى أهمية القراءة أمر ا حتميا.

وثبتت أهمية القراءة أيضا في مجال تعليم اللغة الأجنبية بحيث تشكل مهارة القراءة أهم مركزات المهارات اللغوية. إنها بكونها مهارة استقبالية تمثل محورا لنقل الخبرات اللغوية فكل ما يتلقاه متعلم اللغة من سطور ما يقرأ يساعده في تنمية قدرته في المهارات الأخرى خاصة مهارتي الكلام والكتابة.  أما مهارة الكلام فغالبا ما تنمو لدى المتعلم كمّا ونوعا متأثرة بمستواه في القراءة. الكلمات التي يعبر بها عن أفكاره  والتراكيب التي ينظم بها كلامه تستمد مما يقرأ، فمهارة الكلام ليست إلا القدرة على تحويل الخبرات اللغوية المكتوبة إلى نظيرتها المنطوقة، أما مهارة الكتابة فهي أشد صلة بمهارة القراءة من أي مهارة كانت. إذا كان نقل الخبرات اللغوية من القراءة إلى الكلام يستتبع تحويل المكتوب إلى المنطوق فنقلها من القراءة إلى الكتابة لا يستتبع إلا  تحويل السياق، لأن المتعلم عندما يكتب إنما يحول اللغة المكتوبة التي يقرأها  ويستقبلها إلى الأخرى التي يكتبها وينتجها.

القراءة أيضا تؤثر إيجابيا على تنمية المهارات اللغوية من حيث النوع. اللغة المكتوبة التي تتناقل من خلال القراءة تعتبر  أدق من لغة الكلام سواء من حيث المبنى أم المعنى، وتعامل المتعلم مع اللغة المكتوبة وتعوده على فهم المقروء يفيده في قوة التفكير والتعبير.

وقد أكّد إلى هذه الأهمية مؤسّسو طريقة القراءة التي نشأت ردا على الطريقة المباشرة حاملة راية مهارة الكلام في تعليم اللغات الأجنبية، حيث كانوا يرون أن التركيز التعليمي على مهارة الكلام يزود المتعلمين بلغة التخاطب التي يمكن وصفها بأنها سطحية ولا تلبي إلا احتياجات اتصالية تافهة، ودعوا إلى التعليم المركز  على القراءة بهدف تمكين المتعلمين من الاتصال بلغة  الكتابة التي هي لغة الدين والعلم والثقافة والحضارة.

وبإدراك هذه الأهمية شاعت الدعوة إلى ضرورة تطوير تقنيات القراءة  لتلبية متطلبات مستجدة في دراسة النصوص، فتطورت بفضل هذا الإدراك مناهج وتخصصات في مجال علم اللغة مثل علم تحقيق النصوص أو الفيلولوجيا، وعلم تحليل الخطاب، وعلم لغة النص، وغيرها من تطورات دراسة النص التي تتخلص أهدافها في محاولة تطوير  تقنيات القراءة من أجل الاستفادة القصوى من النصوص المكتوبة.

وتمت الاستجابة لهذه الدعوة أيضا في مجال تعليم اللغة العربية حيث تطور في المناهج الحديثة بعض الطرائق والأساليب في تعليم مهارة القراءة. ومن هذه الطرائق تعليم مهارة القراءة على مستوياتها الثلاثة وهي قراءة ما في السطور، وقراءة ما بين السطور، وقراءة ما وراء السطور. وتنطلق هذه الطريقة من أن فهم النص يمكن أن يتم من خلال فهم ما يرد فيه من الحروف والكلمات والجمل والفقرات، ويمكن من خلال الربط بين أجزاءه، ويمكن من خلال إدراك الرسالة غير  المسطورة التي تختفي وراء سطوره.

أما قراءة ما في السطور فهي فهم ما ورد في سطور النص. وتعليمها يركز على تزويد المتعلمين بما يمكنهم من فهم المسطور من النص، وهو بذلك يحتوي على تعليم معاني الكلمات بقوالبها المختلفة وما وردت فيه من سياق،  وتعليم الجمل حسب التركيب التي تتكون عليه.

وأما قراءة ما بين السطور فهي فهم العلاقات بين أجزاء النص. وتعليمها يركز  على إدراك المعنى الذي يتكون نتيجة الارتباط بين أجزاء النص، وهو  بذلك يتعلق بأنواع العلاقات في النص مثل الرأي والتعليق، الواقع والتعليق، القول والشرح، التأييد والمعارضة، وغيرها من العلاقات التي تتكون في النص.

أما قراءة ما وراء السطور فهي فهم ما يشير إليه النص ضمنيا. وتعليمها يركز على إدراك النقاط غير  المسطورة في النص واستخراجها  كرسالة يقصدها الكاتب ويود إرسالها إلى القراء.

وتوضيحا لعملية قراءة النص على هذه المستويات الثلاثة يأتي في السطور التالية تطبيقها على آخر  سور القرآن وهي سورة الناس: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١  مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢  إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣  مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤ ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ٦). وقراءة هذه السورة على المستويات الثلاثة تتم على النحو التالي:

·          قراءة ما في سطور هذه السورة تركز على فهم ما ينص في آياتها الست وذلك من خلال إدراك معنى الحروف والكلمات وتراكيب الجمل فيها.

·          أما قراءة ما بين سطورها فتركز على تقسيم آياتها إلى أجزاء وإدراك العلاقة القائمة بين هذه الأجزاء. ويمكن تقسيم آيات هذه السورة من حيث مضمونها إلى جزأين أولهما يحتوى على الآيات الثلاث الأولى (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١  مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢  إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣ والثاني يحتوى على آياتها الثلاث الأخيرة  وهي ("مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤ ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ٦).  والعلاقة التي يمكن إدراكها بينهما هي أن الأول عبارة عن المتعوذ به والثاني عن المتعوذ منه.

·          وأما قراءة ما وراء سطورها فيركز على اكتشاف الرسائل الضمنية غير المسطورة فيها. ومنها أن شر الوسواس في الصدور هو من أخطر الشرور  التي يمكن أن يتعرض لها العبد وأكبرها. ويشير إلى ذلك ضمنيا أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من هذا النوع من الشر به، بأكوانه الثلاثة (رب الناس، وملك الناس، وإله الناس)، وذلك يدل على خطورته البالغة.  

والجدير بالذكر هنا أن القراءة على هذه المستويات الثلاثة تختلف من نص لآخر خاصة على مستوى ما بين السطور. فقد تكون العلاقات في النص تقوم بين الجمل في الفقرة، أو بين الفقرات، أو بين الفصول والأبواب. وتعليم القراءة على هذه المستويات والتدريب عليها يساعد على الاطلاع على النص بصورة دقيقة وشاملة كما يساعد على الاستفادة المتعددة الأبعاد من النصوص بشتى أنواعها.

 

خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                                                                                       

29 /10/ 2015

مؤتمر "تعليم اللغة العربية في ضوء الإطار الوطني للمؤهلات" بإندونيسيا

انعقد في جامعة سونن كاليجاكا بمدينة جوكجاكارتا إندونيسيا مؤتمر "تعليم اللغة العربية في ضوء الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات" على مدار يومي الجمعة والسبت 23 و 24 أكتوبر 2015م. وقد تعاون في إقامته قسم تعليم اللغة العربية بكلية التربية جامعة سونن كاليجاكا واتحاد رؤساء قسم  تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية. وشارك فيه عدد من الباحثين ورؤساء قسم تعليم اللغة العربية من الجامعات الإندونيسية وأعضاء اتحاد معلمي اللغة العربية في إندونيسيا.

 

افتتح المؤتمر بكلمة ترحيب من مدير جامعة سونن كاليجلكا الأستاذ الدكتور محاسن الذي بدأ حديثه بالترحيب بالحضور ثم بين بيانا موجزا عن الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات  (KKNI) وأكد على أهمية تطوير مناهج تعليم اللغة العربية في ضوء هذا الإطار. ودعا جميع الحضور إلى التعاون على جعل تعليم اللغة العربية يواكب التطورات التربوية المستجدة في البلاد لكي تعيش هذه اللغة الشريفة مستقبلا أفضل وينجز متعلموها نتائج تعليم مرضية.  

 

وعقدت بعد حفلة الافتتاح  أربع جلسات قدمت كل منها بحوثا تعالج بعض القضايا الآنية التي تعرض لها تعليم اللغة العربية في إندونيسيا خاصة ما يتعلق بتطبيق الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات في مناهج تعليم اللغة العربية.

 

تمحورت الجلسة الأولى حول الحديث عن قضايا تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وقدمت بحثين افتتحت ببحث الأستاذ وليد السيد محمد السيد رئيس مجلس إدارة مراكز الديوان لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها الذي استعرض فيه "دور المراكز الخاصة في تطوير وتجديد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها". وبين الباحث دور المؤسسات والمراكز الخاصة  في تطوير وتجديد عملية تعليم اللغة العربية كلغة ثانية، وكشف الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه المؤسسات والمراكز الخاصة حالة تأسيسها في إندونيسيا في دعم عملية تعليم اللغة العربية لغة أجنبية. أما البحث الثاني فقدمه الدكتور تولوس مصطفى أستاذ بجامعة سونن كاليجاكا الإسلامية الحكومية الذي تناول فيه "الإطار المنهجي لتعليم اللغة العربية".  وأشار  الباحث إلى أن تعليم اللغة العربية يجب أن يستند إلى إطار منهجي واضح مؤكدا على أن وضوح الإطار المنهجي وتدرجه يساعد على تذليل المشكلات التعليمية والتقويمية التي تعرض لها تعليم اللغة العربية في إندونيسيا.

 

تمحورت الجلسة الثانية حول قضية تعليم اللغة العربية في إندونيسيا في ضوء الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات (المنهج KKNI). وقدمت هذه الجلسة بحثين كان الأول للدكتور محمد زين رئيس الشؤون الأكاديمية بوزارة الشؤون الدينية الذي أشار في حديثه إلى مشكلات تحديد كفاءات اللغة العربية وضرورة وضع اختبارات محكمة لقياس كفاءات متعلمي اللغة العربية. أما الباحث الثاني فهو للأستاذ الدكتور أنيك غفران الأستاذ بالجامعة الحكومية جوكجاكارتا الذي تناول في بحثه عناصر الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات ومستوياته مبينا أن الإطار في حالة تنفيذه سوف يضمن جودة نتائج التعليم ويحدد مؤهلات المتعليمين بشكل واضح.

 

تناولت الجلسة الثالثة أهمية التعلم المحوسب في تطبيق منهج تعليم اللغة العربية في ضوء الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات التي شارك في الحديث عنها الباحث الأستاذ رضوان زين رئيس الاتحاد الوطني لتطوير التعلم الـمُحَوْسَب التابع لإدارة التعليم العالي وزارة الشؤون الدينية. وأشار الباحث إلى أن التعلم المحوسب أصبح من أهم متطلبات العصر التي لا غنى عنها في مجال التربية والتعليم. وأكد على أن لهذا النوع من التعلم دورا في غاية الأهمية في تطبيق الإطار الوطنيي للمؤهلات. 

 

وعقد على هامش الجلسة الثالثة اجتماع شارك فيه رؤساء قسم تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية وكان هدفه الرئيسي تبادل الإفادة والاستفادة بينهم حول خبراتهم في وضع الإطار الوطني الإندونيسي للمؤهلات في مجال تعليم اللغة العربية. وتم تقديم في هذا الاجتماع أربع أوراق عمل تستعرض البنية المصممة للإطار الوطني الإندونيسي لمؤهلات تعليم اللغة العربية التي قدمها رؤساء قسم تعليم اللغة العربية من أربع جامعات وهي: الجامعة المحمدية بجوكجاكارتا، وجامعة مولانا ملك إبراهبم الإسلامية الحكومية بمالانق، والجامعة الحكومية بمالانق، وجامعة العلوم والقرآن بونوسوبو.

 

واستمرت فعالية المؤتمر في الجلسة الرابعة التي استهدفت : (1) تدقيق ما دار حوله الحديث في الجلسة الثالثة من خبرات الجامعات في وضع الإطار الوطني لمؤهلات تعليم اللغة العربية وتحديد بعض النقاط المشتركة التي يمكن الاستناد إليها في وضع مناهج تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي بصفة خاصة وعلى جميع مستويات التعليم بصفة عامة. (2) وضع التوصيات الموجهة إلى رؤساء قسم تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية حول بناء مناهج تعليم اللغة العربية في ضوء الإطار الوطني للمؤهلات بصفة خاصة وسياسات رفع مستوى تعليم اللغة العربية بصفة عامة.

 

اختتم المؤتمر بكلمة رئيس قسم تعليم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة سونن كاليجاكا جوكجاكارتا الأستاذ أحمد راضي الذي هو أيضا الرئيس الجديد لاتحاد رؤساء قسم تعليم اللغة العربية، وقد أكد في كلمته الختامية على أهمية بناء الشبكة التعاونية بين المعنيين بتعليم اللغة العربية في كل أنحاء البلاد  في رفع مستوى تعليم اللغة العربية خاصة من خلال وضع مناهج تعليم اللغة العربية في ضوء الإطار الوطني للمؤهلات، ودعا الحضور إلى بذل أقصى ما لديهم من الجهود لأجل تحقيق هذه المهمة.

 

إلى جانب هذه الجلسات عقدت على هامش المؤتمر ثلاثة اجتماعات إضافية كان الأول منها بهدف توحيد الآراء حول تأسيس اتحاد رؤساء قسم تعليم اللغة العربية وتعيين هيكله التنظيمي ووضع خطة العمل لفترة الخدمة القادمة. أما الاجتماع الثاني فكان بهدف تعيين الهيكل التنظيمي لاتحاد معلمي اللغة العربية في إندونيسيا (IMLA) لفترة العمل 2015-2019م. وهو تحت قيادة الرئيس الأستاذ الدكتور إمام أسراري والأمين العام الدكتور ولدانا وارغاديناتا. وأما الاجتماع الثالث فكان بحضور رؤساء اتحاد معلمي اللغة العربية وأعضائه بهدف وضع البرامج وخطة الأعمال التي يسعى الاتحاد لتنفيذها خلال فترة الخدمة الجارية.

 

 

خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 /9/ 2015

تعليم اللغة العربية بالطريقة المباشرة

 تعتبر الطريقة المباشرة أول طريقة معروفة في ميدان تعليم اللغات الأجنبية التي تتبنى نظرية علمية للغة وتستند إلى مدخل علمي في تعليمها وتعلمها. وتسمى بالطريقة المباشرة لأنها تتعامل مع اللغة في الإجراءات التعليمية بشكل مباشر من خلال استخدام اللغة الهدف دون اللجوء إلى اللغة الوسيطة أو الترجمة. وتسمى أيضا بالطريقة الطبيعية لأنها تتعامل مع اللغة في تعليمها وتعلمها بشكل طبيعي وفي ظروف أو بيئة طبيعية. وهي بذلك تخالف طريقة النحو والترجمة التي من أهم سماتها استخدام اللغة الوسيطة أو الترجمة والتركيز في تعلم اللغة على جانبها الكتابي.

 

تستند هذه الطريقة إلى المدخل الطبيعيى الذي يعزم أن اللغة سلوك إنساني طبيعي يكتسب في مواقف وظروف طبيعية. وبما أن اللغة سلوك طبيعي فتعلم اللغة الأجنبية لا بد أن يسير بصورة طبيعية ومباشرة كما يتعلم الطفل لغته الأولى. ومن طبيعية تعلم اللغة في منظور هذه الطريقة أن تتدرج المدخلات اللغوية من السهل إلى الصعب، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الشفوي إلى التحريري.

 

وفي تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يهدف توظيف الطريقة المباشرة إلى تدريب الطلاب على التفكير باللغة العربية دون اللجوء إلى الترجة أو اللغة الوسيطة وتمكينهم من الاتصال بها بصورة طبيعية وعفوية. وتحقيقا لهذه الأهداف ينطلق التعليم بهذه الطريقة من عدة مبادئ أهمها ما يلي:

 1.        استخدام اللغة العربية أثناء سير الدرس من البداية إلى النهاية دون اللجوء إلى الترجمة.

2.        المفردات والجمل التي تُقدم للطلاب يجب أن تكون لها علاقة مباشرة ببيئتهم واحتياجاتهم الاتصالية الواقعية.

3.        شرح الكلمات المحسوسة عن طريق الاقتران المباشر، والتمثيل، والصور، وشرح الكلمات المجردة عن طريق ربط الأفكار والجمل الموضحة. 

4.        تقديم المهارات الشفوية الاتصالية تقديمًا متسلسلا ومتدرجًا يدور حول تبادلات السؤال والجواب بين المعلم والطلاب، في صفوف صغيرة ودروس مكثفة.

5.        العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة تبادلية. المعلم يدير الفصل ولكن التعامل بينه وبين الطلاب ثنائي؛ إذ إنه قد يجري من المعلم إلى المتعلمين وقد يجرى عكس ذلك.

 وبناء على هذه المبادئ تسير عملية التعليم والتعلم في حجرة الدراسة بالطريقة المباشرة على الخطوات التالية:

 1.        يقدم المعلم الدرس الجديد ويربطه بالدروس السابقة ويسأل الطلاب عنه فيجيبون باللغة الهدف وهي اللغة العربية.

2.        يستمر المعلم في طرح الأسئلة ويدعو جميع الطلاب إلى المشاركة في الإجابة ويقوم أحيانا بإصدار بعض الأوامر التطبيقية مثل: أغلق الباب يا أحمد، اجلس هنا يا محمد، امسح السبورة يا علي... أو يسألهم عن الغائب من زملائهم، أو يسألهم عمن تأخر اليوم ولماذا تأخر.

3.        يقدم المعلم المفردات الجديدة ويشرح معانيها مستعينا بالصور أو التمثيل أو الجملة الموضحة، أو أساليب أخرى تساعد الطلاب على إدراكها دون اللجوء إلى الترجمة.

4.        بعد أن تأكد المعلم أن الطلاب قد فهموا المفردات يقدم النص ويقرؤه قراءة نموذجية يرددها الطلاب خلفه جماعيا.

5.        بعد معالجة النص يوجه المعلم بعض الأسئلة حول النص ويجيب الطلاب باللغة العربية.

6.        يقدم المعلم أنواعا مختلفة من التدريبات بغرض تدريب الطلاب على الاتصال باللغة العربية في إطار ما يدرسون من المفردات والنحو والتراكيب.

 

ولتعليم اللغة العربية بالطريقة المباشرة مزاياها منها:

 1.    أن هذه الطريقة توفر للطلاب جوًّا تعليميا تعلّميا طبيعيا مريحا يساعدهم نفسيا على التعلم الاكتسابي للغة العربية وهو التعلم الذي يشبه طريقة اكتساب اللغة الأم لدى الأطفال.

2.    أنها تقود الطلاب إلى إجادة اللغة العربية على شكلها الاتصالي الشفوي الذي هو المعيار الرئيسي في السيطرة عليها، الأمر الذي سوف يزيدهم ثقة في تعلمها والاتصال بها.

3.    أنها تحرر الطلاب من قيود تعلم اللغة العربية نظريا وتحملهم على تعلمها اتصاليا.   

4.    أنها تقدم للطلاب المواد اللغوية الحية مثل الحوار والقصة التي تحثهم على الاستخدام الفعلي للغة العربية من خلال المواقف اللغوية الطبيعية.

5.    أنها تستعين بأنواع مختلفة من الوسائل التعليمية مما يساعد الطلاب على فهم المواد اللغوية المقدمة وممارستها بسهولة.

 

ولكن مع هذه المزايا يجب أن يتنبه المعلم الذي يوظف هذه الطريقة إلى ما يلي:

1.    إن اهتمام هذه الطريقة بمهارة الكلام وتركيزها عليها قد يكون على حساب المهارات الأخرى وهي القراءة والكتابة.

2.    إن لجوءها في شرح المفردات إلى أساليب الاقتران المباشر والتمثيل والصور والجمل التعريفية تجنبا لاستخدام الترجمة واللغة الوسيطة قد يأخذ من زمن الحصة التعليمية أكثر مما ينبغي، وذلك سيكون على حساب تعليم عناصر أخرى من الدرس مثل النص، والأسئلة الاستيعابية، والتدريبات.

3.    إنَّ استبعاد هذه الطريقة للمعالجة النحوية من التعليم يحرم الطلاب من إدراك ماهية القوالب النحوية التي تنتظم فيها كلمات اللغة لتكوين الجمل.

4.    إنها تسمح للطلاب بحرية الكلام والتعبير في مواقف غير مخططة أحيانا مما يترتب عليه انطلاق غير محمود. ومن ذلك أن يخلط الطالب بين لغته الأولى واللغة الثانية فينسج تراكيبه اللغوية المألوفة في لغته بمفردات من اللغة الجديدة.

5.    إن هذه الطريقة ينحصر توظيفها في المراحل الأولى؛ لأنها غير فعالة إذا ما استخدمت لتعليم اللغة العربية في المراحل المتقدمة.

6.    إن الالتزام باللغة العربية أثناء التعليم يجعل هذه الطريقة ليست في متناول كل المعلمين؛ إذ لا يستطيع توظيفها إلا معلم له ثروة لغوية فائقة وكفاءة اتصالية عالية في اللغة العربية.

7.    إن إغفال هذه الطريقة لمبدأ الترجمة قد يقلل رغبة الطلاب في الاستفادة التحريرية من اللغة العربية ومن ثم يضيق باب اتصالهم بآدابها وثقافتها.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا

23 /8/ 2015

تعليم اللغة العربية بطريقة النحو والترجمة

 تعد طريقة النحو والترجمة أقدم ما يعرف من طرائق تدريس اللغات الأجنبية حيث يرجع تاريخها إلى قرون ماضية. وهي حقيقة لا تنبني على فكرة لغوية أو تربوية معينة كما لا تستند إلى نظرية نفسية أو اجتماعية معينة، وإنما ترجع جذورها إلى تعليم اللغة اللاتينية واليونانية الذي كان يتمحور حول تعليم القواعد اللغوية والترجمة لأهداف دراسة الفلسفة. وقد صَنَّفَها العلماء من ضمن طرائق المدارس القديمة التي لا تزال شائعة الاستخدام حتى الآن في ميدان تعليم اللغات الأجنبية.

يهدف توظيف هذه الطريقة في تعليم اللغة العربية إلى تمكين الدارسين من قراءة النصوص العربية وترجمتها إلى لغاتهم وذلك عن طريق تعليمهم القواعد النحوية وتزويدهم بأكبر عدد ممكن من المفردات. وتحقيقا لهذا الهدف يستمد المقرر التعليمي المراد تقديمه بهذه الطريقة من الكتب النحوية والنصوص المقروءة حول الموضوعات الدينية والثقافية، والأدبية.

يستند تعليم اللغة العربية بهذه الطريقة إلى مبادئ يتلخص أهمها في أن إجادة اللغة العربية لن تتحقق إلا بثلاثة جوانب هي الإلمام بالقواعد النحوية، وإنماء ذخيرة المفردات، والقدرة على ترجمة النصوص العربية. وتلعب لغة الطلاب في ذلك دورا مهما باعتبارها لغة التعليم التي يتم بها شرح القواعد النحوية ومقابلة معان المفردات وترجمة النصوص.   

يتم سير الدرس بهذه الطريقة في حجرة الدراسة من خلال الخطوات الإجرائية التالية:

      يبدأ المعلم الدرس الجديد بنص قرائي تصاحبه قائمة من المفردات الجديدة.

      يقرأ المعلم النص أو يطلب من أحد الطلاب أن يقرأه قراءة جهرية.

      يترجم المعلم النص إلى لغة الطلاب، ويكتبه على السبورة أو يمليه على الطلاب.

      يعطي فرصة للطلاب أن يقرؤوه قراءة صامتة.

      يكتب القواعد المساعدة على فهم النص على السبورة أثناء القراءة ثم يشرحها بعد القراءة.

      يقدم بعض الأسئلة والتدريبات حول النص والقواعد.

في ضوء هذه الطريقة تقوم بين المعلم والطلاب علاقة تقليدية حيث يسيطر المعلم على الفصل ولا يكون للطلاب إلا أن يفعلوا ما يطلب منهم، وأن يتعلموا ما يعرفه المعلم ويقدمه. وفي ذلك يتمحور دور المعلم في تدريس ما يحويه الكتاب المقرر، وشرح جميع محتوياته بالتفصيل، وترجمة النصوص إلى لغة الطلاب، واستخراج القواعد وشرحها.

أما الطلاب فيتمحور دورهم في الاستماع إلى شرح الأستاذ وتدوينه في كراساتهم، وكتابة الترجمة في حواشي الكتاب المقرر بلغتهم، وفي ذاك لا تتاح لهم فرصة لطرح الأسئلة والمناقشة.

يرى كثير من العلماء أن هذه الطريقة تقليدية ولم تعد فعالة لتعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهات الحديثة.

ومن الانتقادات التي وُجّهت إليها أنها تركز  على مهارة القراءة تركيز ا بالغا يحرم الطلاب من إجادة المهارات اللغوية الأخرى وعلى رأسها مهارة الكلام التي تعد مهمة رئيسية يسعى أي برنامج معاصر لتعليم اللغة العربية إلى تحقيقها.

ومنها استخدامها لغة الطلاب في التعليم مما يقلل فرص الطلاب للتدرب على استخدام اللغة العربية شفويا.

ومنها أيضا اهتمامها بتحليل القواعد النحوية وتزويد الطلاب بها وهو ما يجعلها تهتم بتقديم معلومات عن اللغة لا بتعليم اللغة ذاتها. لأن تحليل القواعد النحوية يدخل ضمن دراسة علمية للغة وليس ضمن تعليمها كمهارة.

ولكن مع ما عليها من العيوب وما واجهت من الانتقادات ظلت طريقة النحو والترجمة شائعة الاستخدام في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وقد أشار غير قليل من الدراسات إلى أنها تعد أكثر ما يلجأ إليه معلمو العربية في دول جنوب شرق آسيا وعلى رأسها إندونيسيا.

وتقف وراء شيوع استخدام هذه الطريقة عدة عوامل أهمها:

         الاتجاه النحوي. لما كان التعليم في كثير من المدارس والمعاهد يتبنى الاتجاه النحوي فليس هناك خيار تعليمي للمعلمين أفضل من توظيف طريقة النحو والترجمة.

         تدني المستوى الاتصالي اللغوي للمعلمين. لما كان كثير من المعلمين لا يجيدون الاتصال باللغة العربية في التعليم فإنهم يلجؤون إلى هذه الطريقة التي تسمح لهم بتقديم الدروس بلغة الطلاب.

         التقيد بالأهداف الدينية. لما كان الهدف الرئيسي من تعليم العربية وتعلمها هو فهم القرآن والحديث والكتب الدينية فقد أصبحت مهارة القراءة والقدرة على تحليل النصوص وترجمتها أعلى قمة الأولويات التعليمية، وليس هناك ما يؤدي إلى تحقيق هذه المهام أفضل من طريقة النحو والترجمة.

         حجم الفصل وعدد الطلاب. لما وجد المعلم نفسه في فصل كبير وأمام عدد كبير من الطلاب، فإن الأسلوب التعليمي الأقل تكليفا له هو تحديد المقرر وتوزيعه على الطلاب ثم تلقينهم إياه وترجمته لهم، وذلك كله من سمات طريقة النحو والترجمة.

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
28 /7/ 2015

تعليم اللغة العربية في جامعة لايبزغ بألمانيا

 تعد ألمانيا من أكثر دول العالم اهتماما بتعليم اللغة العربية بل يمكن اعتبارها متصدر ة الدول الأوروبية في هذا المجال. ولا يدعو ذلك إلى الاستغراب، إذ إن تعليم اللغة العربية فيها يرجع إلى عقود طويلة وقد مر منذ يومها بمراحل من التطور شهد خلالها ظهور محاولات وإبداعات تعليمية كثيرة إلى أن وصل إلى وضعه الحالي الذي يمكن وصفه بأنه من أحسن برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.

 ولعل أحسن ما يمثل ذلك هو تعليم اللغة العربية في جامعة لايبزغ الذي يرى كثير من المعنيين بتعليم اللغة العربية أنه برنامج تعليمي متقدم يستند إلى منهج تم تطويره في ضوء الاتجاهات المعاصرة في تعليم اللغات الأجنبية.

ومما يتميز به منهج تعليم اللغة العربية في هذه الجامعة أنه من حيث الأهداف يتبنى الاتجاه الاتصالي بغرض تمكين الدارسين من الاتصال الاستقبالي والإنتاجي باللغة العربية، ومن حيث المواد يستمد من المواد التعليمية التي تم إعدادها على نهج حديث ومعاصر وثبت نجاحها من خلال تجارب طويلة، ومن حيث الطريقة يتم بشكل مكثف موفرا للدارسين ما يكفي من التعرض اللغوي والبيئة اللغوية، ومن حيث الوسائل يستعين بالوسائل التكنولوجية الحديثة ولعل من أشهرها المواد التعليمية والاختبارية المحوسبة، ومن حيث التقويم يتم قياس كفاءة الدارسين اللغوية من خلال اختبارات حديثة تختبرهم على المستوى الأدائي و المهاري في المقام الأول.

 إلى جانب ذلك، فهناك عدة إبداعات تعليمية يختص بها تعليم اللغة العربية في جامعة لايبزغ قد يصعب إيجادها في برامج تعليمية أخرى، منها تعليم العربية العامية الذي يركز على الجانب الاستقبالي دون الإنتاجي. وهو  تدريب الطلاب على الاستماع التعرفي لبعض العاميات العربية البارزة دون تدريبهم على التكلم بها أو الكتابة بها، وذلك على افتراض أن الطلاب يحتاجون إلى فهم تلك العاميات المختلفة لأنها تعد أكثر ما يتعرضون له عند اتصالهم بالمجتمع العربي، بيد أنهم لا يحتاجون إلى التكلم بها لأن العرب رغم لجوئهم للاتصال بالعامية يفهمون العربية الفصحى.

 ومن إبداعاتهم التعليمية تشجيع الطلاب على ممارسة الخبرات اللغوية الصفية في التعلم الذاتي خارج الفصل. ويتم ذلك من خلال إحسان الاستفادة من الطلاب العرب الدارسين في الكليات الأخرى أو من الطلاب ذوي المستويات العليا. هذه الإستراتيجية تفيد الطلاب في ممارسة ما تم تعليمه وتعلمه داخل حجرة الدراسة كما تفيدهم في ذوق التواصل اللغوي المباشر مع أهل اللغة الأمر الذي سوف يرفع ثقتهم الاتصالية اللغوية.

 ومن إبداعاتهم أيضا تيسير بعض القواعد اللغوية وتبسيطها لتكون أسهل وتبدو أكثر منطقية ولو خالف ذلك القواعد العامة المعروفة. ولعل أهم صور هذا التيسير والتبسيط كتابة الهمزة على أساس النطق والصوت لا على أساس الصرف والشكل والوزن. وعليه تكتب الهمزة قطعا في أوائل كلمات كانت كتابتها فيها وصلا مثل: إمتحان، إتصال، إختلاف؛ لأن الصوت الذي تبدأ به هذه الكلمات يشابه تماما الصوت الأول في الكلمات التي تبدأ بهمزة قطع مثل: إخراج، إدخال، إسلام، وغيرها. وهذا يخالف قواعد الإملاء العربي حيث تكتب الهمزة وصلا في هذا النوع من الأسماء.

 خادم لغة القرآن
نصرالدين إدريس جوهر
جامعة سونن أنبيل إندونيسيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

28 /6/ 2015

 تذليل  إشكالية الفصحى والعامية في تعليم العربية لغير الناطقين بها

 يتفاهم العرب في بيئتهم بلونين مختلفين من الاتصال. يتمثل الأول في تواصلهم على المستوى العلمي أو الرسمي مثل الكتب والنشرات والمناسبات الرسمية، والثاني على المستوى العام الدارجي مثل ما يجري على أرض الحياة اليومية من المكالمة والمراسلة. يطلق على الأول مصطلح العربية الفصحى وعلى الثاني العربية العامية.

في البداية يعيش كل منهما الساحة التي تخصه ولكن بعد ذلك ظهر بينهما ما يمكن أن يطلق عليه صراع وظهر معه فريقان يقف الأول للدفاع عن الفصحى والثاني لصالح العامية. على المستوى الاجتماعي يدعي أنصار الفصحى أن العربية الفصحى تمثل هوية العرب فالالتزام بها في جميع ألوان الاتصال الاجتماعي شفوية كانت أم تحريرية بمثابة الالتزام بالهوية العربية وتعزيزها. إنها لغة الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية حيث نزل بها القرآن ونطقت بها السنة وألف بها العلماء ونشرت بها العلوم.

إلى جانب ذلك فإن العربية الفصحى لغة موحدة يتفق عليها أبناء العرب على اختلاف بيئاتهم وهي تتعدى الحدود الجغرافية إذ يتفاهم بها العرب باختلاف بلدانهم. وفي المقابل يرون أن العامية لا تتمتع بما تتمتع به الفصحى من الكرامة ولم تلعب ما تلعبه الفصحى من الأدوار الدينية والحضارية والثقافية فاللجوء إليها يعني إبعاد الأمة من هويتها الحضارية والثقافية. كما أن العامية تساهم في تفريق العرب أكثر من توحيدهم لأنها تتصف بالإقليمية وتختلف ألوانها وأشكالها من بلد عربي إلى آخر ويدعي كل بلد أن عاميته أفصح من غيرها.

ويعارض هذه النظرة أنصار العامية ويرون أن العامية هي الممثلة الحقيقية لحياة العرب الاجتماعية وطريقتهم في التفكير وميولهم الاتصالية. إنها أسهل تعبيرا وأدق تمثيلا للأفكار والمشاعر وتشكل وسيلة مشتركة للتفاهم بين أبناء المجتمع على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم وانتماءاتهم. وهي أيضا تلعب دورا في توحيد العرب رغم اختلاف ألوانها وأشكالها من بلد عربي إلى آخر، لأن الاختلاف بين العاميات العربية لا يمنع التفاهم بين أبنائها.

وقد اتسعت ساحة هذا الصراع وامتدت إلى ميدان تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى. فظهر فريقان يدعي الأول أن تعليم اللغة العربية ينبغي أن يقوم على صورتها الفصحى، ويدعي الثاني عكس ذلك.

أما الفريق الأول فيستدل بأن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو تعليمها على مستويين، هما المستوى المعرفي الذي يركز على الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والمعجمية، والمستوى المهاري الذي يركز على المهارات اللغوية الأربع وهي الاستماع والكلام والقراءة والكتابة. واللغة العربية بصورتها الفصحى هي الوحيدة التي يمكن تعليمها على هذين المستويين. أما العربية العامية فلم يكن لها شكل منظم وصياغة ثابتة يمكن تعليمها على هذين المستويين لكونها لغة التخاطب الشفوي الدارجة غالبا على المستوى الاجتماعي لا على المستوى العلمي.   

إلى جانب ذلك فإن تعليم اللغة العربية للأجانب يحمل مهمة ثقافية وهي نشر الثقافة العربية الإسلامية وأهمها تعليم ما يساعدهم على فهم مصادر الإسلام وثقافته وحضارته وهي القرآن الكريم والسنة النبوية، وليس هناك ما يحقق هذه المهمة أحسن من العربية الفصحى إذ إنها هي لغة القرآن والسنة والثقافة الإسلامية.

إضافة إلى ذلك فإن تعليم اللغة العربية للأجانب على صورتها الفصحى يمثل بطاقة اتصالية مشتركة تمكنهم من الاتصال بالناطقين بها على اختلاف بلادهم. أما تعليمها على صورتها العامية فلا يمثل شيئا من ذلك بل يقدم لهم خيارات تكلفهم إذ إن لكل بلد عربي عامية يختص بها.  

أما أنصار تعليم العامية فيرون أن تعليم اللغة العربية للأجانب في صورتها العامية أو الدارجة يمثل بوابة التواصل مع المجتمع العربي. فإذا كان الهدف الرئيسي من تعليم العربية للأجانب هو الاتصال بها وبأهلها فلا ينبغي تعليمها إلا في ألوانها العامية. لأن الأجانب عند زيارتهم الدول العربية واتصالهم بأبنائها يحتاجون إلى العامية أكثر من الفصحى بسسب أن الاتصال الذي يخوضونه في معظم الميادين الاجتماعية يتم بالعامية. إذن، فإن تعليم العامية للأجانب هو تعليم ما يحتاجون إليه فعلا للاتصال بالعرب، وهذا يتناغم مع أهم مبدأ من مبادئ تعليم اللغات الأجنبية.

السؤال المطروح هنا ما هو الموقف السليم الذي يمكن أن نتخذه من هذا الصراع في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؟

العربية الفصحى لا غنى عنها في تعليم العربية لغة أجنبية. إنها أحسن ما يحقق كل ما يهدف إليه الأجانب من تعلمهم اللغة العربية لغويا وثقافيا ودينيا وعلميا. ولكن العامية أيضا يجب أن تجد مكانها في التعليم وذلك على أساس مبدأين هما:

(1) أن تعليم اللغة الأجنبية المطلوب هو تعليم ما يمكّن متعلميها من الاتصال بالناطقين بها.

(2) أن تعليم اللغة الأجنبية هو تعليم ما يتوقع أن يتعرض له متعلموها عند وجودهم في بيئتها وتفاعلهم مع أبنائها. فبما أن العامية تستخدم في معظم المواقف التي يجدها كل من يزور الدول العربية وتساعده على التفاهم مع أهلها فمن المنطقي أن تكون جزءا من تعليم اللغة العربية للناطقين بها.

لكن تعليم العامية في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ليس كتعليم الفصحى ويجب أن نضع له إطارا واضحا لكي لا يتعدى حدوده ووظيفته. ومن حدود تعليم العامية أنه لا يتم إلا على المستوى الاستقبالي لا على المستوى الإنتاجي، وهو تعليمها جزءا من مهارة الاستماع على وجه التحديد ولا حاجة لتعليمها جزءا من مهارة الكلام. لماذا؟ لأن العامية لا يتعرض لها المتعلم الأجنبي إلا عندما يخاطب العرب فيحتاج إلى فهم هذه المخاطبة ليرد عليها بالفصحى لأن العرب الناطقين بالعربية يفهمون الفصحى استقباليا. هذه الإستراتيجية سوف تسد الفجوة الاتصالية التي تحول بين الأجانب الذين يتحدثون بالعربية الفصحى والعرب الذين يتحدثون بالعربية العامية.   

ومن حدوده أن يتعرف المتعلم الأجنبي على العامية في صورتها المكتوبة لكي يتمكن من قراءتها وليس من الكتابة بها. لماذا؟ لأنه قد يتعرض للكتابة العامية مثلا في المراسلات الهاتفية فما عليه في ذلك إلا أن يفهمها ليرد عليها بالكتابة الفصحى. وتزول بذلك الفجوة الاتصالية بين كاتب العامية العربي وكاتب الفصحى الأجنبي. والجدير بالتنبيه هنا أن تعليم قراءة العامية لا يتم بنفس التركيز الذي يتم به تعليم الاستماع إليها وإنما يجري لمحة فقط وبشكل سطحي.

ومن حدوده أيضا أن يتعرف المتعلم الأجنبي على العاميات المختلفة في آن واحد بطريقة تقابلية. وهو مثلا أن يتعرف على عبارة معينة في الفصحى وما يعبر به عنها في العاميات المختلفة مثل العامية القطرية، والسعودية، والمصرية. مثل هذه الطريقة سوف تمكن المتعلم من التعرف على تلك العاميات بسهولة وإدراك ما بينها من اختلافات يمكن وصفها بأنها بسيطة.

إن هذه المواقف التعليمية من العامية والإستراتيجيات في تعليمها سوف تعود علينا بمنافع عديدة لعل أهمها التخلص من مشكلات تعليم العامية في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وذلك بطريقة تراعي أهميتها وتحدد لها مكانا تستحقه في التعليم. إلى جانب ذلك، فإنها تخرج المتعلم الأجنبي الذي يستطيع أن يفهم العامية ويتكلم بالفصحى وبذلك يزول ما يحول بينه وبين الناطقين العرب من فجوة اتصالية بإذن الله تعالى.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6/6/2015

      من المشكلات المنهجية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

( حالات إندونيسيا ) 

 إن تعليم اللغات الأجنبية عملية متعددة الأبعاد تترابط فيها عدة جوانب تعليمية تعلمية تتخلص كلها في ما يسمى بالمنهج. المناهج الجيد تصميمها وتنفيذها تساهم بكل تأكيد في تحقيق التعليم الفعال الناجح والعكس صحيح.

وفي مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يعد المنهج من أهم مصادر المشكلات التي يتعرض لها كل من المعلمين والمتعلمين. وقد أشار غير قليل من الدراسات إلى أن المناهج المتبعة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لم يكن معظمها صالحا بدرجة تضمن للمتعلمين نتيجة مرضية من تعلمهم. وهذه المشكلة المنهجية تعد أهم ما يساهم في تخلف مستوى تعليم اللغة العربية بالمقارنة مع تعليم غيرها من اللغات الأجنبية.

تشكل إندونيسيا خير مثال للدول الأجنبية تحديدا في جنوب شرق آسيا التي لا تزال تتعرض لكثير من المشكلات المنهجية في تعليم اللغة العربية. وذلك يتمثل في عدة جوانب يمكن استعراض بعض من أهمها فيما يلي:

1.  التقيد المبالغ فيه بالأهداف الدينية

أشارت الدراسات إلى أن الهدف الرئيسي من تعليم العربية وتعلمها في إندونيسيا هو الهدف الديني وهو تعلم اللغة العربية وإجادتها من أجل فهم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والاطلاع على الكتب الدينية. وفي ضوء هذا الهدف ينحصر اهتمامنا على الإلمام بالقواعد النحوية والترجمة. أو بعبارة أدق فإن تعليم العربية وتعلمها يركز على اكتساب معلومات اللغة نظريًّا دون اهتمام باستخدامها اتصاليًّا. ونتيجة مثل هذا الاتجاه التعليمي التعلمي واضحة، وهي إلمامنا العالي بقواعد العربية والترجمة وضعفنا الواضح في استخدامها اتصاليًّا.

إن تعلم اللغة العربية من أجل فهم القرآن أو غيره من مصادر العلوم الإسلامية ليس عيبا بكل تأكيد إلا أن شدة التركيز عليه تحرمنا من إجادة اللغة العربية بصورة كاملة وشاملة وذلك لانحصار اهتمامنا على النحو والترجمة واستهانتنا بمهارات استخدام اللغة مثل مهارة الكلام والكتابة بوصفهما وظيفتين من الوظائف الأساسية للغة العربية. إلى جانب ذلك فإن تعليم اللغة العربية وتعلمها على مثل هذا الاتجاه لا يتماشى مع وظائف مستجدة للغة العربية بوصفها لغة أجنبية لا يتقيد استخدامها بالمجال الديني فقط وإنما أيضا يتسرب إلى جميع مجالات الحياة مثل المجالات الأكاديمية، والسياسية، والثقافية، والدبلوماسية، والسياحية، والصحافية، وغيرها من المجالات. 

2.    الافتقار إلى المواد التعليمية الجيدة

بما أن الهدف الرئيسي من تعليم اللغة العربية – كما سبق ذكره- هو الهدف الديني المركز على إجادة القواعد والترجمة فمن شأن محتوى المواد التعليمية أن يتركز على مواد النحو والقواعد. وتستمد هذه المواد من كتب قواعد النحو العربية مثل الألفية وجامع دروس اللغة العربية والنحو الواضح وغيرها من كتب القواعد التي لا يهدف إعدادها وتأليفها أصلا لأن تكون كتب تعليم. لقد أشار أحمد شلبي -المؤرخ المصري وخبير تعليم اللغة العربية- بعد أن مسح مراكز تعليم اللغة العربية بإندونيسيا في السبعينيات إلى هذه المشكلة مؤكدا أن من أهم ما يفتقر إليه تعليم اللغة العربية في هذا البلاد هو انعدام كتب التعليم وأن التعليم يسير على نهج خاطئ وهو الاعتماد على الكتب النحوية وليس على الكتب التعليمية. وما زالت هذه المشكلة قائمة حتى الآن رغم ظهور تطورات منهجية تعليمية واعدة في بعض مراكز تعليم العربية في إندونيسيا. ولعل خير ما يؤشر إلى هذه المشكلة تعليم اللغة العربية في المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية الذي يستمد مواده من الكتب النحوية والدينية بدلا من الكتب المصممة تعليميا.   

3.    توظيف طريقة التدريس التقليدية

        إن أكثر طرائق التدريس استخداما في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا هي طريقة النحو والترجمة – تلك الطريقة التي وصفها علماء تعليم اللغة بأنها تقليدية وغير صالحة لاتجاهات تعليم اللغة الحديثة. ويتم تعليم اللغة العربية بهذه الطريقة من خلال ترجمة النصوص العربية إلى الإندونيسية وشرح ما فيها من الكلمات والجمل والقواعد النحوية. وفي بعض مراكز تعليم العربية التقليدية في العديد من المدن في جزيرة جاوا تستهدف ترجمة النصوص العربية إلى اللغات المحلية فضلا عن اللغة الإندونيسية. كما يتم التعليم بها عن طريق إجبار الطلاب على حفظ القواعد النحوية والمفردات والتراكيب دون تشجيعهم على استخدامها في الاتصال اللغوي.

ومثل هذا التعليم بالتأكيد لن يؤدي إلى درجة الإجادة المرضية للغة العربية لأنه يبعد المتعلمين من حقيقة اللغة ووظيفتها ويقودهم إلى تعلم اللغة باعتبارها مجموعة من القواعد وليس بوصفها أداة للاتصال.

4. الافتقار إلى التكنولوجية التعليمية

        الافتقار إلى الوسائل التكنولوجية التعليمية وعدم إحسان استغلالها هو مشكلة منهجية أخرى في تعليم اللغة العربية في إندونيسيا.

ومما يصعب إنكاره أنه في الوقت الذي يهتم تعليم اللغات الأجنبية الأخرى بتوظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة بشتى أنواعها مثل الكمبيوتر، والمختبر اللغوي، والفيديو، والأقمار الصناعية، والإنترنت، يلجأ تعليم اللغة العربية في معظم المراكز التعليمية الإندونيسية إلى الوسائل التقليدية. وقد أثبتت الدراسات أن استخدام الوسائل التكنولوجية يزيد عملية تعليم اللغة فعالية ويتعرض الطلاب عند غيابها للملل والسآمة، ومن ثم فالافتقار إلى هذه الوسائل التكنولوجيا في تعليم اللغة العربية وتعلمها يعني فقدان أهم ما يساهم في إجادتها.

        هذه المشكلات المنهجية – بكل صراحة- ما زالت قائمة حتى الآن ويكاد يتعرض لها تعليم اللغة العربية على جميع المستويات في كثير من المراكز التعليمية. وتسليط الضوء عليها لا يعني غض النظر عن بعض التطورات التي تحققت في مجال تعليم اللغة العربية بإندونيسيا في السنوات الأخيرة، وإنما يعني أنه بقيت ثمة مشكلات ينبغي أن يسعى الجميع إلى معالجتها وحلها ليتدرج مستوى تعليم اللغة العربية في إندونيسيا من درجة الحسن إلى الأحسن بإذن الله تعالى.

 

 خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا.

 ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

16 /5/ 2015

 

أحقًّا أن العربية لغة صعبة؟

ثمة انطباع يصعب إنكار وجوده بل شيوعه لدى متعلمي اللغة العربية الناطقين بلغات أخرى، هو أن اللغة العربية لغة صعبة ومعقدة وأن تعلمها وإجادتها في غاية الصعوبة. ويتولد من ذلك إيحاء بأن تعلم اللغة العربية عملية لا ينجح فيها طالب إلا بشق الأنفس وأنها تنتهي في أغلب الأحيان بنتيجة غير مرضية. كم من متعلم ما ألم من العربية إلا بنسبة قليلة من أصواتها وصرفها ونحوها وتراكيبها ولا يجيد من مهاراتها إلا قدرا لا يسمن ولا يغني من جوع مع أنه قد أنفق على تعلمها سنوات طويلة لو أنفقها على تعلم لغات غيرها لكفته لإجادتها إجادة مرضية.

السؤال المطروح هنا من أين جاء هذا الانطباع وكيف شاع؟ هل العربية بطبيعتها لغة معقدة ومن ثم تعلمها صعب؟ أم إنها لغة سهلة وقابلة للتعلم ولكن هناك عوامل تجعلها تبدو معقدة وتجعل تعلمها يتصف بالصعوبة؟

ليست هناك لغة يمكن أن يُقال إنها صعبة أو سهلة بطبيعتها. اللغة وليد مجتمعها واتفاق أبنائها الذين يفكرون بها ويتفاهمون بها. فما من طفل وُلد إلا ومعه استعداد فطري لاكتساب لغة بيئته. واللغة بكونها إنتاجا بشريا لا تنحصر قابليتها للاكتساب والتعلم في أبنائها فقط، وإنما يمكن تعلمها أيضا خارج بيئتها ولغير أبنائها من الناطقين بلغات أخرى.

إذن، فإن الانطباع السالف ذكره لا يصدر من طبيعة اللغة العربية بحد ذاتها وإنما ينتج من طريقة المعاملة معها عند تعليمها وتعلمها، وكيف يكون ذلك؟  إن تعليم اللغة العربية للأجانب هو في الحقيقة عملية تعرّفهم عليها فإن نجحت تركت فيهم انطباعا إيجابيا وإن فشلت قادتهم إلى انطباع سلبي عنها.

ثمة في تعليم اللغة العربية لغة أجنبية عدة اتجاهات تعليمية أو إستراتيجيات تعليمية قد تعرّف الأجانب على العربية بطريقة صعبة ومن ثم تكوّن عندهم انطباعا سلبيا عنها. ولعل من أهمها التقيد بالاتجاه النحوي، وهو أن ينحصر تعليم العربية وتعلمها في تزويد المتعلمين بالقواعد النحوية من خلال عملية التلقين والحفظ.

الاهتمام بالجانب النحوي في تعليم اللغة وتعلمها ليس اتجاها خاطئا إذ إن اللغة نظام والنحو نظام بدون أدنى شك، لكن المشكلة هي التركيز البالغ عليه واتخاذه هدفا نهائيا من تعليم اللغة وتعلمها. النحو لا يربو على كونه فرعا من فروع اللغة يحتاج إليه المتعلم في بناء كفاياته اللغوية وهو في ذلك يحتاج إلى غيره مثل الأصوات والكلمات وغيرها من فنون اللغة لتحقيق الإجادة الكاملة للغة. والمستوى اللغوي لمتعلمي اللغة العربية الأجانب خير ما يؤكد ذلك، حيث إن إلمامهم بقواعد اللغة العربية لا يضمن إجادتهم إياها. كم من متعلم مر بجميع مراحل النحو وأنفق عليه سنوات طويلة من التعلم وجد نفسه ضعيفا في إجادة اللغة العربية.

هذا الاتجاه النحوي يتمثل عموما في أيدي المعلمين بقاعات الدراسة من خلال توظيف ما يعرف بطريقة النحو والترجمة، وهي التعليم المركز على   تزويد المتعلم بالقواعد النحوية العربية وترجمة النصوص العربية إلى لغته. وتحقيقا لذلك يستمد التعليم من كتب النحو أو الكتب التعليمية التي تم إعدادها لمعالجة القواعد النحوية. والمتعلم في ذلك لا يلعب إلا دور المستمع والمسجل والحافظ دون أن يتاح له ما يكفي من الفرص ليمارس ما تعلم في الاستخدام اللغوي.

إن تعليم اللغة العربية وتعلمها بهذه الطريقة يكوّن إيحاء بالصعوبة في ذهن المتعلم؛ لأنها تعرفه عليها من خلال أصعب أبوابها وهو النحو. النحو يشكل أصعب عناصر اللغة لكونه معياريا يدور بين الصواب والخطأ، فإذا تعرض له المتعلم بكمية أكثر مما ينبغي وبطريقة لا تترك له إلا دور المستمع والمردّد والمسجل والحافظ تكوّن في ذهنه دون أدنى شك انطباع بأن العربية لغة صعبة.

وبناءً على ما تقدم بيانه فلينتبه كل من يُعنى بتعليم اللغة العربية لغةً أجنبية إلى هذا الجانب النفسي. إن الانطباع السلبي عن العربية يشكل حاجزا نفسيا يمنع من إجادتها وإن الانطباع الإيجابي عنها يشكل حافزا يساعد على إجادتها. فليسعَ كل معلم إلى تعليمها بطريقة توحي بأنها سهلة وليتجنب تعليمها بأسلوب يوحي بأنها صعبة.

 خادم لغة القرآن

نصرالدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 /5/ 2015

 

اكتساب الأطفال لغتهم الأولى:

كيف نستفيد منه في تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها؟

 إن اكتساب الطفل لغته الأولى من عجائب الظواهر اللغوية لدى الإنسان. يبدأ الطفل حياته اللغوية من نقطة الصفر حيث لا ينطق حرفا إلا صراخا يعلن به ولادته. ولكن بعد مرور أشهر تنمو لغته بطريقة عجيبة وسريعة حيث يبدأ ينطق أصواتا، ثم يكرر كلمات، ثم يكوّن جملا، ثم يتكلم لغة.

تنمو لغة الأطفال بسرعة لدرجة قد تستغربها الأمهات والأشخاص حولهم. تتعجب الأم عادة عندما تسمع طفلها ينطق الكلمات التي يسمعها من كلامها ويرددها كثيرا بطريقة قد تكون مضحكة. بل كثيرا ما تستغرب الأم عندما تسمع طفلها ينطق ويردد كلمات لم تقلها له ولم يسمعها منها ولا من أبيه ولا من أعضاء الأسرة الآخرين. نعم، إن الطفل لا يتعلم لغته من أبويه فقط، وإنما يتعلمها أيضا من أشخاص خارج البيت، أو من الوسائل المتوفرة في البيئة المحيطة به.

وهناك عدة عوامل تلعب دورا لا يمكن تجاهله في اكتساب الطفل لغته الأولى ولعل أهمها العوامل النفسية والاجتماعية  والإستراتيجية. أما العوامل النفسية فتتمثل في الاستعداد الفطري الذي ولد به الطفل ويمكنه من اكتساب أي لغة نشأ فيها، وفي الدافعية التي هي قوة نفسية غير عادية تدفع الطفل لتعلم اللغة بحماسة استثنائية، وفي الاتجاهات التي هي استعداد عقلي وعصبي يوجه الطفل إلى اتخاذ الموقف الإيجابي نحو اللغة التي يتعلمها، وفي المشاعر الإيجابية التي تحرر الطفل مما يمنعه من تعلم اللغة مثل الحياء من الكلام والخوف من الخطأ.

أما العوامل الاجتماعية فتتمثل في العلاقة الحميمة بين الطفل وأبويه وزملائه التي توفر جوا مناسبا لاكتساب اللغة. وكذلك العلاقة بين الأطفال أنفسهم هي علاقة ممتعة يتمتعون بها ويتفاعلون من خلالها مما يسهل لهم اكتساب لغتهم الأولى. كما تتمثل في كمية التعرض اللغوي الكبيرة التي يعيشها الطفل عندما يلعب ويتعامل مع مجتمعه والتي توفر له فرصة كافية لاكتساب لغته الأولى.

أما العوامل الإستراتيجية فتتمثل في الأساليب التي يستخدمها الطفل في الاستفادة من لغة بيئته ويسجلها في ذخيرته اللغوية.  ومن أهم الأساليب في ذلك المحاكاة وهي أن ينطق الطفل ويردد ما يسمعه من البيئة المحيطة به من الأصوات والكلمات والجمل.  ومنها أيضا الممارسة وهي أن يكرر الطفل ما يستريح له من تلك الأصوات والكلمات والجمل حسب المواقف اللغوية التي يجد نفسه فيها.

بفضل هذه العوامل الثلاثة يتمكن الأطفال بدون استثناء – أينما ولدو وفي أي بيئة لغوية نشؤوا- من اكتساب لغتهم الأولى بنجاح، إذا لم  يعانوا من مشكلات في أجهزة النطق ولم يتعرضوا لاضطرابات كلامية.

والسؤال المطروح هنا هل يمكن تطبيق هذه الإستراتيجيات في تعلم اللغات الأجنبية؟ وهل يمكن توفير العوامل التي تساعد الأطفال على تعلم لغتهم الأولى في تعلم اللغة الأجنبية لتساعد متعلميها على تحقيق ما يحققه هؤلاء الأطفال من إنجازات لغوية؟

إن ما يتمتع به الأطفال في اكتساب لغتهم الأولى من خصائص نفسية وما يسيرون عليه في ذلك من إستراتيجيات لا يمكن توفيره وتطبيقه في عملية تعلم اللغات الأجنبية بشكل طبيعي كميا ونوعيا.  ذلك لأن إجادة اللغة الأولى تتم من خلال الاكتساب في حين تتم إجادة اللغة الأجنبية من خلال التعلم. وسيكولوجية الاكتساب وإستراتيجياته تختلف عن سيكولوجية التعلم وإستراتيجياته. الاكتساب يمثل عملية طبيعية تتخذ مكانها في بيئة اجتماعية طبيعية، في حين يشكل الثاني عملية مصطنعة تتخذ مكانها في بيئة مصطنعة غير طبيعية.

ولكن مع ذلك فثمة جوانب من اكتساب اللغة الأولى يمكن توفيرها وتطبيقها في عملية تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها سواء كانت من الجوانب النفسية أم من الجوانب الإستراتيجية. وفي السطور التالية نقاط إجرائية توضح كيفية الاستفادة من خصائص اكتساب اللغة الأولى وإستراتيجياته في تعلم اللغة الأجنبية بالتطبيق على تعليم اللغة العربية وتعلمها كلغة أجنبية.

1.   حيث الدافعية يمكن الاستفادة من اكتساب اللغة الأولى من خلال توجيه متعلمي اللغات الأجنبية إلى التعلم بالدافعية التكاملية وهي أن يتعلم اللغة ويجيدها ليعيشوا بها ويتفاهموا بها مع أبنائها والناطقين بها من غير أبنائها.

ويمكن تطبيق ذلك في تعليم العربية كلغة أجنبية بتوجيه المتعلمين إلى تعلم العربية وإجادتها لتكون لغة حياتهم لكونهم مسلمين، يحتاجون إليها بشكل لا يتقيد بزمان ومكان ويتفاهمون بها مع الناطقين بها من أبنائها ومن غير أبنائها.

 

2.   حيث الاتجاهات يمكن الاستفادة من خلال توجيه متعلمي اللغات الأجنبية إلى النظرة الإيجابية إلى تعلمها وتعليمها وإلى ثقافتها وإلى الناطقين بها.

ويمكن تطبيق ذلك في تعليم العربية كلغة أجنبية بتوجيه المتعلمين إلى النظرة الإيجابية نحو اللغة العربية وذلك عن طريق تأكيد أهميتها كلغة دينية وعلمية وعالمية، وعن طريق التوعية بأن تعلم العربية ليس كتعلم غيرها من اللغات إذ إن فيه بعدا دينيا لكونها لغة الإسلام وثقافته وحضارته.

 

3.   من حيث الإستراتيجية يمكن الاستفادة من خلال المحاكاة بأن نقدم لمتعلمي اللغات الأجنبية ما يحاكونه من أصوات وكلمات وتراكيب، ثم نوفر لهم ما يساعدهم على تكرار  ما يحاكون وممارسته في سياق اتصال شبه طبيعي.  

ويمكن تطبيق ذلك في تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية بتقديم المواد اللغوية الطبيعية التي يحتاج إليها المتعلمون في الاتصال، وباتخاذ الجانب الاستقبالي من تلك المواد في المقدمة قبل الجانب الإنتاجي وذلك من خلال تدريبهم على الاستماع قبل الكلام والقراءة قبل الكتابة. ثم توفير الجو التعليمي التعلمي المريح الذي يمكن المتعلمين من ممارسة ما يتعلمون في سياقات الاتصال المختلفة.       

إلى جانب ذلك هناك من إستراتيجيات الاكتساب اللغوي لدى الأطفال ما يمكن تطبيقه في تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها داخل قاعات الدراسة وخارجها على حد سواء. وهو  تعدد مصادر التعلم لدى الأطفال حيث يكتسبون لغتهم من مصادر كثيرة مثل البيئة البيتية، وبيئات خارج البيت، ووسائل الإعلام وغيرها من البيئة المحيطة بهم مما يجعل عملية الاكتساب اللغوي عندهم مكثفة وفعالة.

ويمكن تطبيق ذلك بتوجيه المتعلمين وتدريبهم على تعلم اللغة من مصادر متعددة لا تنحصر في ما يقدّم داخل حجرة الدراسة فقط وإنما تستفيد أيضا مما يتوفر خارج حصص الدراسة. وتحقيقا لذلك يجب أن تكون المواد التعليمية مما يحث المتعلم على توسيع التعلم ذاتيا خارج الصف. وعلى المعلم أن تكييف العلاقة بين المتعلم وبيئته لتفيده في تنمية لغته كأن يشكل مجموعات لغوية يمارس فيها ما يتعلم في حجرة الدراسة مع زملائه. وعلى المعلم أيضا توفير الوسائل المساعدة التي يستفيد منها المتعلم في إغناء وتحسين لغته مثل المجلات والجرائد والتسجيلات الصوتية والأفلام وغيرها من الوسائل.

كل هذه التسهيلات والوسائل –في حالة توفرها- سوف تمكن المتعلمين  من تعلم اللغة من مصادر متعددة تخلصهم من الاعتماد الكلي على ما يقدمه المعلم وما يجري داخل حجرة الدراسة. والمتعلمون –في حالة تطبيقهم هذه الإستراتيجية- سوف يتعلمون اللغة بصورة أكثر تكثيفا وفعالية ويذوقون الخبرات اللغوية بكمية أكبر  ونوعية أحسن.

  

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل إندونيسيا

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
16 /4/ 2015

التشجيع النبوي على تعلم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى

 إن تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها لا يأتي من فراغ ولا يتم في فراغ، إنما هو عملية تنطلق من منطلق محدد وتسير على طريق واضح وتتجه إلى اتجاه مرسوم، مما يعني أنها تتعلق بعوامل معينة وتتوقف عليها. ويرى العلماء أن هناك ثلاثة عوامل رئيسة يتوقف عليها نجاح متعلم اللغة الأجنبية، وهي خلفيته الثقافية، ودافعيته لتعلم اللغة، واتجاهاته نحو اللغة (براون Brown: 2007).

أما الخلفية الثقافية فتتمثل في نظرة المتعلم إلى ثقافته وثقافة اللغة التي يتعلمها. كلما كانت نظرته لثقافة اللغة التي يتعلمها إيجابية ولا يميل إلى التفضيل البالغ لثقافته عليها كانت نسبة نجاحه في إجادة هذه اللغة كبيرة، والعكس صحيح. 

وأما الدافعية فهي ما يحرك متعلما في تعلم اللغة الأجنبية. هناك نوعان من الدافعية: دافيعة تكاملية  (Integrative Motivation) ودافعية وسيلية آلية (Instrumental Motivation). الدافعية التكاملية تدفع المتعلم إلى تعلم اللغة الأجنبية بغرض التواصل مع الناطقين بها. والدافعية الوسيلية تدفع إلى تعلم اللغة كوسيلة للحصول على شيء ما مثل العمل أو المنصب. ومتعلم اللغة الأجنبية الذي تحركه الدافعية التكاملية أكثر نجاحا من الذي تحركه الوسيلية.

أما الاتجاهات فهي تتمثل في موقف المتعلم نحو اللغة التي يتعلمها، وكلما كان موقفه إياها إيجابيا كانت نسبة نجاحه في إجادتها كبيرة، والعكس صحيح. 

وتعلم اللغة العربية لدى الناطقين بلغات أخرى أيضا يدور حول هذه العوامل الثلاثة، إلا أن الأمور التي تتمثل فيها كل من هذه العوامل في تعلم اللغة العربية وتعليمها تختلف عنها في تعلم غيرها من اللغات. وذلك يرجع في المقام الأول إلى كون العربية لغة القرآن والدين الإسلامي. إن كونها لغة القرآن ولغة الإسلام وثقافته وحضارته يؤثر إلى حد كبير  على نظرة المتعلم الأجنبي واتجاهاته نحو اللغة العربية وتعلمها وتعليمها.

إذا كانت الدافعية والاتجاهات في تعلم اللغات الأجنبية لا تربو  في المقام الأول على المآرب الوسيلية القصيرة المدى، فإنها في تعلم اللغة العربية تتعدى –لدى المسلم- قيود هذه الحدود الوسيلية لتلتمس مآرب أكثر تكاملية ألا وهي المآرب الدينية. وبعبارة أخرى فإن الدافعية الرئيسية التي تحرك المتعلم الأجنبي المسلم إلى تعلم اللغة العربية هي الدافية الدينية التي يشكلها كون العربية لغة يتحدث بها الرسول صلى الله عليه وسلم وينطق بها القرآن.

وقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم حجر الأساس لهذه الدافعية والاتجاهات حيث يُروى أنه قال "أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ : لأَنِّي عَرَبِيٌّ ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ"، مما يعني أن تعلم اللغة العربية هو في الحقيقة تعلم اللغة التي يتحدث بها الرسول صلى الله عليه وسلم وينطق بها القرآن ويتكلم بها أهل الجنة.

وعليه ينطلق تعلم اللغة العربية من دافعية دينية ويتجه في إطار ديني وينتهي في نهاية المطاف بمهمة دينية، الأمر الذي لا يلتمسه متعلمو غيرها من اللغات.

ولا يتوقف هذا التشجيع النبوي عند هذا الحد، فقد جاء في حديث آخر ما يوضح ذلك ويؤكده بصياغة أقوى وبنطاق أوسع حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم "... لَيْسَتِ الْعَرَبِيَّةُ بِأَحَدِكُمْ مِنْ أَبٍ وَلا أُمٍّ وَإِنَّمَا هِيَ لِسَانٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ "، وهذا يوضح أن الانتماء للغة العربية ليس انتماء نسبيا ولا ثقافيا، إنما هو انتماء تعلمي لغوي. فمن تعلم اللغة العربية وأجادها وتكلم بها صار عربيا كما صار أهل لغة القرآن وأهل لغة الجنة. بعبارة أخرى فإن الجنسية العربية التي فضلها وافتخر بها الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يحملها وينتمي إليها جميع أمته بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية وذلك بتعلم اللغة العربية والتكلم بها.

هذا التشجيع النبوي يبعث رسالة إلى متعلمي العربية الناطقين بلغات أخرى بأن المكانة الخاصة التي تنفرد بها اللغة العربية تفرض دافعية واتجاهات خاصة في تعلمها. إن دافعيتهم في تعلمها لا ينبغي أن تتقيد بما تتقيد به دافعية تعلم اللغات الأخرى من المآرب الوسيلية البحتة والاحتياجات القصيرة المدى، كما لا ينبغي أن تكون اتجاهاتهم نحوها كاتجاهاتهم نحو غيرها من اللغات من النظرات  الوسيلية القصيرة المدى.

وهذا التشجيع النبوي في حالة وصول رسائله إلى متعلمي اللغة العربية من الناطقين بلغات أخرى سوف يعالج أبرز مشكلاتهم النفسية وهي الدافعية الضعيفة الوسيلية في تعلم العربية والاتجاهات السلبية نحوها وتعلمها.  إنه سوف يكوّن فيهم نوعا أقوى وأكثر تكاملا من الدافعيىة وهو الدافعية الدينية ونوعا أكثر إيجابية من الاتجاهات وهو الاتجاهات الدينية.

هذا، ونسأل الله العليم الحكيم أن يدرك متعلمو اللغة العربية هذا التشجيع النبوي و يسيرون عليه في تعلمهم هذه اللغة الشريفة.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر

جامعة سونن أنبيل -إندونيسيا.

------------------------------------------------------------------

1 /4/ 2015

"لسان عربي".. توجيه قرآني في تعلم اللغة العربية وتعليمها

 

من المثير للتفكير أن ورد في القرآن الكريم  كلمة "لسان عربي"  بدلا من "اللغة العربية" للإشارة إلى اللغة التي نزل بها وينطق بها. لماذا فضّل القرآن استخدام كلمة "اللسان" على كلمة "اللغة"؟ ما هي الأسرار الدلالية التي يمكن أن تفهم من ذلك؟ وما في استخدام كلمة "لسان عربي" من مبادئ يمكن تبنيها وتطبيقها في ميدان تعلم اللغة العربية وتعليمها للناطقين بلغات أخرى؟

من حيث المعنى ليس هناك فرق ملحوظ بين كلمة "اللسان"  و"اللغة" إذ هما تشيران إلى ما يتفاهم به الإنسان أو ما يطلق عليه في الإنجليزية  “language”. ولعل خير دليل على هذا التشابه الدلالي تآزر الاستخدام بين المصطلحين "اللغويات" و"اللسانيات" في ميدان الدراسات اللغوية. فلماذا فضّل القرآن كلمة "اللسان" على "اللغة"؟

هناك أسرار مثيرة، إذ القرآن لا يستخدم كلمة ويستغنى عن أخرى بل لا يزيد حرفا ولا يخذفه إلا ويضع وراء ذلك سرا ضمنيا مثيرا للتفكير.

على الرغم من التشابه الدلالي بين الكلمتين إلا أن كلمة "اللسان" تحمل معنى الوظيفية بنوعية أكثر مما تحمله كلمة "اللغة"، لأنها تشير بشكل مباشر إلى أهم أعضاء النطق التي تصدر من خلالها اللغة.

الأصل في اللغة أصوات وكلام، وعليه تتمثل الوظيفة الرئيسية للغة في استخدامها شفهيا واتصاليا في الحياة. وكلمة "اللسان" توحي بهذا المبدأ وتشير إليه بنوعيه أقوى من كلمة "اللغة". وهذا يتمشى مع كون العربية لغة على قيد الحياة يتحدث بها الإنسان عبر القرون والثقافات. فاستخدام كلمة "لسان عربي" في هذا السياق القرآني يمثل إشارة إلى أن العربية لغة حية وسوف تظل حية، كما يمثل إثارة لتعلمها وتعليمها لأجل التكلم بها والتفاهم بها.

إلى جانب ذلك يتمشى هذا الاستخدام القرآني لكلمة "لسان عربي" مع كون العربية شعارا للإسلام، والشعار اللغوي لا يرتفع لواؤه إن لم ينتشر في أرض الواقع، ولذلك شاع استخدام العربية في كلام المسلمين والتواصل بينهم.

ومن هذا الاستخدام القرآني لكلمة "لسان عربي" يمكن استخراج  ما يمكن الاستناد إليه في تعلم اللغة العربية وتعليمها للناطقين بلغات أخرى، وهو أن تعلم اللغة العربية وتعليمها يجب أن يركز على الجانب الأدائي فضلا عن الجانب الكفائي أو على استخدامها اتصاليا إلى جانب الإلمام بها معرفيا.

العربية لغة حية فيجب تعلمها وتعليمها للعيش بها لا للإلمام بها نظريا ومعرفيا دون التواصل والتفاهم بها. والعربية أيضا شعار للإسلام وهوية للمسلمين فيجب على المسلمين باختلاف جنسياتهم وثقافاتهم تعلمها وتعليمها بغرض التفاهم بها والافتخار بها والالتزام بها.

هذا التوجيه القرآني –في حالة تطبيقه والاستناد إليه- سوف يعالج أهم المشكلات التي يتعرض لها تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، وهي الفجوة بين تعليمها وتعلمها وبين استخدامها في التواصل الواقعي. التعليم والتعلم على هذا المبدأ سوف يعطيان اللغة العربية ساحة في حياة المسلمين تؤدي فيها وظيفتها الاتصالية، بإذن الله تعالى.

 

خادم لغة القرآن

نصر الدين إدريس جوهر