إحياء العقل

(..) فإنما إحياء العقل الذي يتم به ويستحكم خصالٌ سبعٌ: الإيثارُ بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبُّت في الاختيارِ، والاعتياد للخيرِ، وحسن الرعي، والتعهد لما اخْتِيرَ واعتُقِد، ووضع ذلك موضعَه قولا وعملا.

أما المحبة فإنها تُبْلِغُ المرءَ مبلغَ الفضلِ في كل شيء من أمرِ الدنيا والآخرة حين يؤثره بمحبته، فلا يكون شيءٌ أمرأَ ولا أحلى عنده منه.

وأما الطلبُ فإن الناس لا يُغْنيهم حبُّهم ما يحبّون وهواهم ما يهوَوْن عن طلبه وابتغائه..

وأما التثبّتُ والتخَيُّرُ فإن الطلب لا ينفعُ إلا معهُ وبه؛ فكم من طالبِ رشدٍ وجده والغَيَّ معًا، فاصطفى منهُما الذي منه هرب، وألغى الذي إليه سعى. فإذا كان الطالبُ يحوي غير ما يريد، وهو لا يشك في الظَّفَر، فما أحقَّه بشدّةِ التبيّنِ وحسنِ الابتغاء!

وأما اعتِياد الشيء بعد استبانته، فهو ما يُطْلَب من إحراز الفضل بعد معرفته.

وأما الحفظُ والتعهد فهو تمام الدَّرْك؛ لأن الإنسان موكل به النسيانُ والغفلةُ، فلا بد لهُ، إذا اجتبَى صوابَ قَوْلٍ أو فِعْلٍ، من أن يحفظه في ذهنه لِأَوَانِ حاجته.

وأما البصرُ بالموضع فإنما تصير المنافعُ كلُّها إلى وضعِ الأشياء مواضعَها.

وبنا إلى هذا كله حاجةٌ شديدةٌ؛ فإنا لم نوضع في الدنيا موضعَ غِنًى وخَفْضٍ، ولكن بموضعِ فاقة وكدّ، ولسنا إلى ما يُمْسِك أرْماقنا من المأكل والمشرب بأحوَجَ منا إلى ما يُثْبِتُ عقولنا من الأدب الذي به تفاوُتُ العقول.

وليس غِذاءُ الطعام بأسرعَ في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل. ولسنا بالكدّ في طلب المتاع الذي يُلْتمَس به دفعُ الضررِ والغلبةُ، بأحقَّ منا بالكدّ في طلب العلم الذي يُلْتَمَس به صلاحُ الدين والدنيا.

المصدر:

الأدب الصغير لابن المقفع بتحقيق أحمد زكي باشا

ص 8-10 بتصرف.

معاني "أمّا"
-تأتي "أما" لثلاثة معان هي: الشرط، والتوكيد، والتفصيل وهو غالب أحوالها.

وقد وردت في النص بمعنى التفصيل عدة مرات، مثل: أما المحبة فإنها تُبْلِغُ المرءَ مبلغَ الفضلِ.

-يقترن جوابها بالفاء غالبا، نحو: وأما اعتِيادُ الشيء بعد استبانته، فهو ما يُطلبُ من إحراز الفضل بعد معرفته.

-يفصل بين "أما" وبين جوابها بالمبتدأ، نحو: وأما التثبتُ فإن الطلب لا ينفعُ إلا معهُ وبه. فالتثبت مبتدأ وخبره هو الجملة الحرفية بعده.

لا حظ هذا الأسلوب
-وأما التثبتُ والتخيرُ فإن الطلب لا ينفعُ إلا معهُ وبه.
-وأما الحفظُ والتعهد فهو تمام الدرْك.

كان الأصل أن يعود الضمير في (معه وبه) على "التثبّت والتخيّر" فيكون (معهما وبهما)، لكن الكاتب حذف ضمير المبتدأ الأول (وهو التثبّت) واكتفى بدلالة ضمير الثاني عليه، وهو أسلوب فصيح شائع في اللغة العربية نثرا وشعرا.

والأمر نفسه في قوله: "وأما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك".

المصدر
هو الاسْمُ الدّالُّ على الحَدَث مجردا من الزمن، وله أوزان متعددة وهي سماعية في الغالب، وقد ورد في النص كثير من المصادر، مثل: إحياء، إيثار، مبالغة، تثبُّت، تخيُّر..

سل الأستاذ Ask the Teacher
نص Text
فيديو Video
ارفع ملفا Upload a file
اختر ملفا من جهازك
Select the file in your computer
للاستفادة من هذه الخدمة الرجاء الدخول عن طريق Sign in with
ألفاظ وعبارات

يستحكم: يشتد ويقوَى

أمرأ: أعذب وأحلى

الظفر: النجاح وإدراك الغاية

التبين: التثبُّت والتريّث

حسن الابتغاء: حسن الطلب

إحراز الفضل: نيله وحيازته

تمام الدرْك: بلوغ المراد والغاية

موكّل به النسيان: مسلط عليه ملازم له

اجتبى: اختار واصطفى

البصر بالموضع: وضع الأمور في مواضعها الصحية

غنى وخفض: سعة عيش واطمئنان رزق

فاقة وكد: الفاقة الفقر والحاجة، والكد: الشدة في العمل

يمسك أرماقنا: يدفع عنها الجوع

تفاوت العقول: تباينها وتفاضلها.

مواد أخرى More