العراق "الجديد".. مرة أخرى

(1)

كل دول المحيط العربي والإقليمي -باستثناء إيران-  تريد للعراق أن يعود قويا معافى ليحقق التوازن المطلوب في الشرق الأوسط والعالم، بعد أن غُيّب عن المشهد السياسي والإستراتيجي جزئيا بدءا من عام 1990 ثم كليا منذ 2003.

(2)

وللحقيقة التاريخية، يجب الاعتراف بأن المحيط العربي تحديدا كان السبب الأبرز في عزل العراق، سواء أكان هذا بعد غزو العراق للكويت عام 1990 أم بعد الجهود الحثيثة والأموال الطائلة والتنازلات غير المسبوقة التي قدمتها دول عربية بعينها للقوى الإمبريالية من أجل الإطاحة بنظام الحكم في العراق، لا بل واجتثاث أي صورة من صوره، دون أدنى حساب إستراتيجي لتداعيات هذا الأمر عليهم وعلى الإقليم والأهم على العراق ذاته.

(3)

الجميع يعلم أن العراق بعد أن احتلته الولايات المتحدة وبريطانيا في ربيع 2003، كان يوسم بـ"العراق الجديد"، وسعت وسائل الإعلام العربية -باستثناء قناة الجزيرة- وبعض الإعلام الغربي إلى إبراز الهالة الوردية والصورة الديمقراطية المشرقة التي سيتسم بها هذا النظام الجديد؛ لأنه باختصار سيكون مصنوعا بإشراف وتخطيط أميركي مباشر. ويعني ذلك أنه سيكون أنموذجا للديمقراطية الحقة في الشرق الأوسط، حتى إن الكثير من الأنظمة الشرق أوسطية تسلل الخوف إلى كياناتها، بعد أن بدأت تصدر من واشنطن ولندن وسواهما إشارات لها بعدم "ديمقراطيتها" في إدارة الحكم.

(4)

تلك المرحلة ما زالت مستمرة بطبيعة الحال، وقد عرف الجميع الآن بطلان جميع فرضياتها وتطبيقاتها على أرض الواقع في العراق، حتى إن الكثير من الباحثين الإستراتيجيين ومراكز الدراسات والساسة المخضرمين، يصفون العراق بأنه دولة فاشلة؛ بسبب الإخفاق الشامل على كل صُعُد الإدارة والأمن والقضاء- واستشراء الفساد، وبسبب إحلال سلطة "الإيراني" (المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران) محل سلطة "العراقي" (صدام حسين)، وممارسة عُقَد التاريخ القديم والحديث بحق أبناء شعب وادي الرافدين دون استثناء لأحد، وإن بدا بشكل واضح السمة الطائفية البحتة لنظام الحكم هناك.

(5)

نعم، فالسعودية -التي تظن قيادتها أن العراق يمكن جذب ساسته من ساحة النفوذ الإيراني إلى العمق العربي، وبالتالي توظيف هذا الأمر لصالح تشذيب الهيمنة الإيرانية على العراق أولا وبقية أجزاء المشرق العربي لاحقا- قامت بإبداء مرونة كبيرة تجاه حكومة حيدر العبادي، وقدمت له الكثير من عروض الدعم السياسي والمالي. 

(6)

مؤخرا، حققت القواتُ العراقيةُ المختلفةُ التشكيلاتِ نجاحاتٍ كبيرةً على أرض الواقع بإعادة بسط سيطرة الدولة العراقية وهيبتها على المناطق المتنازع عليها، واستردادها من قبضة قوات البشمركة الكردية بعد إفشال عملي استفتاء كردستان بالمطلق. وقد تحرك العبادي إثر ذلك -بشكل لافت- دوليا وإقليميا ليحصل على مزيد من النقاط الإيجابية لصالح دعم حكومته، وتقويض القوى التي تريد إزاحته عن سدة القرار فيها؛ فكانت زياراته لباريس والرياض والقاهرة وعمان وأنقرة، ثم طهران التي أعلن منها إستراتيجيته لإعادة "جميع المناطق لسلطة الدولة".

(7)

يرى مركز جيوبوليتيكال فيوتشرز الأميركي في موضوع تطور العلاقات بين العراق والسعودية أنه "من غير المحتمل أن تؤتي جهودُ المملكة ثمارَها في ظل المناخ الإقليمي الطائفي الشديد الاستقطاب، والجماعات الشيعية العراقية هي الطرف المستفيد من هذه العلاقة مع الرياض، حيث يمنحها الانخراط مع السعودية اعترافا بنفوذها في العراق".  ربما تكون بعض المخاوف في محلها وبعضها الآخر مبالغا فيه، خصوصا منح إيران هذه القدرة الخارقة على التحكم في مجريات الأمور، لكن ما يمكن اعتماده حقيقة -بالتجربة والممارسة الفعلية- هو أن مشروع العراق "الجديد" (الذي جاءت به واشنطن 2003) لم يكن سوى مشروع كبير لتهديم كل بناء حضاري في هذا البلد، ثم جعله مركزا لتتابع الانهيارات في عموم الشرق الأوسط والوطن العربي تحديدا، من سوريا حتى اليمن ومن لبنان حتى المغرب مرورًا بكل الدول التي بين هذه وتلك، وقد نجح.

(8)

الجميع يتطلع إلى أن تكون تحركات رئيس مجلس الوزراء العراقي وإعادة علاقات العراق مع محيطه العربي طوقَ نجاة لهذا البلد، الذي لم يبق لديه من الخيارات إلا تلك المرتبطة بالعودة إلى حاضنته الطبيعية، والتي يشكل هو ذاته أحد أهم أعمدتها. ولعل الرياض وسواها يراهنون على استغلال الخلافات داخل القيادات الشيعية، وتململ المجتمع الشيعي العراقي تجاه إيران، وكذلك حاجة المكونات السنيّة إلى راعٍ يفتح لهم آفاق العودة مجددا إلى دائرة الفعل والقرار داخل بلدهم. وأيضا -وهذا هو الأهم ربما- حاجة الحكومة العراقية ذاتها للمساعدة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، لتستطيع تصريف أمور بلدها وإدامة العلاقة مع شعبها الذي فقد الثقة بها تماما، حتى أثبتت الأحداث والتحركات الأخيرة أن العراق ربما ما زال حيا، وسينهض من جديد ليكون فاعلا ومتفاعلا مع أشقائه والمجتمع الدولي، ونابذا لكل الأفكار والممارسات السُّود التي استوطنته منذ عام الانحطاط (2003).

 

الأفعال الناسخة

* من الأفعال المستعملة في هذا المقال الأفعال الناسخة التي يكثر استعمالها في سياق المقارنة وتغيّر الأوضاع من حال إلى آخر.

* والأفعال الناسخة (ويطلق عليها كان وأخواتها) هي أفعال ناقصة تدخل على الجملة الاسمية فتبقي المبتدأ مرفوعا ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها، ومن أكثرها استعمالا: كان، وأصبح، وصار، وظل، وليس، وما زال.

أمثلة:

- كان المحيطُ العربيّ السببَ الأبرز في عزل العراق.

- الجميع يتطلع إلى أن تكون تحركاتُ رئيس الوزراء العراقي طوقَ نجاة لهذا البلد.

- ما زال الإخفاقُ مستمرًّا على أرض العراق.

* يأتي خبر الفعل الناسخ:

- مفردا مثل: ما زالت تلك المرحلة مستمرةً.

- أو شبه جملة مثل: ربما تكون بعض المخاوف في محلها.

- أو جملة مثل: الجميع يعلم أن العراق بعد الاحتلال كان يوسم بـ"العراق الجديد".

 

لمزيد من المعلومات والتدريب يمنك مراجعة هذا الدرس في الموقع: كان وأخواتها

سل الأستاذ Ask the Teacher
نص Text
فيديو Video
ارفع ملفا Upload a file
اختر ملفا من جهازك
Select the file in your computer
للاستفادة من هذه الخدمة الرجاء الدخول عن طريق Sign in with
​مفردات وعبارات

معافى: خال من الأزمات.

المشهد السياسي: الساحة السياسية

عزل البلد: إبقاؤه وحيدا

الإمبريالي: الاستعماري

الاجتثاث: القطع من الجذور

التداعيات: الأحداث المترتبة على الشيء

يُوسَم بالشيء: يوصف به

غير مسبوق: لم يحدث من قبل

دون أدنى حساب: دون اهتمام

بشكل لافت: بشكل مثير للانتباه

طوقَ نجاة: وسيلة إنقاذ

دائرة الفعل: مكان التأثير

مواد أخرى More