هل بدأت أفريقيا مواجهة الفساد؟ .

(1)

تتجه أنظمة سياسية أفريقية -في مسار حاسم- للقطيعة مع الفساد، رغم تكلفة الحرب عليه وتبعاتها المحتملة على تفكك بعض هذه الأنظمة، وتتصدر نيجيريا البلدان الأفريقية في الحرب على الفساد منذ وصول رئيسها محمد بخاري إلى السلطة قبل أكثر من سنتين.

فالرجل -الذي كان شعاره في حملته الانتخابية "لا مكان للفساد في ظل حكمي"- استطاع كسر حاجز الخوف ومجابهة الفساد، في بيئة سياسية واقتصادية ومالية موبوءة بكل مفردات الفساد من نهب لأموال الدولة ومحسوبية وغبن؛ ففتح التحقيقات في ملفات خطيرة وأوقف شخصيات نافذة، وأطلق العديد من أجهزة التدقيق والشفافية للحفاظ على الأموال العامة، كما وضع آليات لاسترداد أموال البلاد المهربة للخارج.

(2)

أثناء القمة الثلاثين للاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي) كان الفساد الموضوع الأبرز للقمة فعنونت شعارها الرئيسي بـ"الانتصار على الفساد.. مسار مستدام لتحويل أفريقيا"، وحظي الرئيس النيجيري بخاري بلقب "بطل محاربة الفساد" تشجيعا لجهوده.

وتبدو هذه الخطوات مهمة في حد ذاتها لكونها تجسد التزاما أخلاقيا من القادة الأفارقة بدحر الفساد، فمجرد الحديث عن الفساد ومناقشة ملفاته في أكبر هيئة جامعة للأفارقة يُعدّ خطوة ذات دلالة معتبرة، على طريق محاربة داء كان الحديث عنه على مستوى القادة يعتبر من المحظورات.

(3)

وموازاة مع هذا الحراك اعتمدت حكومات أفريقية عديدة -طوال السنوات الأخيرة- سياسات تهدف للقضاء على الفساد ومحاصرة بؤره، عبر تبني سياسات حكومية تقوم على الحكم الراشد، والمصادقة على مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.

وتُلزم هذه المبادرة الدول الأعضاء فيها بإصدار تقارير دورية مفصلة عن مجمل العمليات المتعلقة بهذه الصناعات، بدءًا باستخراج الموارد، ومرورا بحلقات منح الرُّخَص للشركات المنقِّبة والإجراءات الضريبية والكميات المنتَجة، وانتهاءً بتحديد أوجه صرف الموارد المالية المتأتية من هذه الصناعات.

(4)

في الأشهر الأربعة الأخيرة استقال رئيسان أفريقيان ورئيس حكومة على خلفية أزمات سياسية كانت قضايا الفساد في صدارتها، فجيش زيمبابوي تحجَّج بالفساد مبررا رئيسيا لإزاحة الرئيس روبرت موغابي عن السلطة بعد حكم زاد على ثلاثة عقود، واعتقال شخصيات نافذة على رأسها إغناتيوس تشومبو آخر وزير مالية في حكم موغابي.

قد تُفهم مبررات جيش زيمبابوي للحرب على الفساد ضمن سياسة التخلص اللبق والهادئ من رئيس خرِف، بدأ يُدار من زوجة مغرورة ومتهورة بعد أن صارت ظروفه الصحية والبدنية لا تؤهله لقيادة البلد، وبعد اتساع الهوة بينه وبين رفاقه الذين يستمدون شرعيتهم التاريخية من نفس المنبع الذي يستمد منه موغابي، أي شرعية النضال لتحرير الوطن.

جنوب أفريقيا -وهي الجارة الجنوبية لزيمبابوي- شهدت أيضا سجالا سياسيا بعنوان الفساد داخل معسكر الحكم، وقد أفضى أخيرا إلى استقالة الرئيس جاكوب زوما من منصبه، تحت طائلة التهديد بسحب الثقة منه من قبل أغلبية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم -الذي ينتمي إليه- في البرلمان. وهو حزب تقوم مرجعيته وأدبياته على تمجيد العدالة الاجتماعية، ونبذ الفساد والتحسين من أوضاع الطبقات الهشة والفقيرة بينما زوما متهم في 783 قضية فساد، وهو من أهم مصادر نقمة الشعب على الحزب والسلطة معا.

ومن الجدير بالذكر أنه لا مجال للمقارنة بين جنوب أفريقيا وزيمبابوي في جوانب كثيرة، لعل من أبرزها حيوية المشهد السياسي في الأولى ووجود دينامية ديمقراطية تسمح بالتناوب السلس على السلطة بشكل شفاف ونزيه.

وتدْخلُ في السياق نفسه استقالةُ رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هيلاميريام ديسيلين. فلئن كان عجزه عن السيطرة على الاضطرابات السياسية -التي تعيشها البلاد منذ ثلاث سنوات- أحد موجبات استقالته؛ فإن فشله في تحقيق نتائج إيجابية من الحرب على الفساد -التي أسقطت وزير ماليته قبل أكثر ستة أشهر- يدخل ضمنيا في خانة تفسيرات الاستقالة المفاجئة للرجل.

(5)

تحتل دول أفريقيا المراتب المتدنية في مؤشر الشفافية الدولية، وفق التقارير الدورية التي تصدرها المؤسسات المتخصصة في هذا المجال. فحسب تقرير الشفافية الدولية لعام 2017 -الذي صدر حديثا- فقد تمكنت خمس دول أفريقية فقط من تجاوز مؤشر مدركات الفساد بحصولها على نتائج تفوق 50 نقطة من أصل 100، وهي بوتسوانا وجزر الرأس الأخضر وموريشيوس وروندا وناميبيا.

وأفاد آخر تقرير للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة المكلفة بأفريقيا بأن أفريقيا تخسر سنويا حوالي 25% من الناتج المحلي الخام للدول الأعضاء بسبب الفساد، مشيرا إلى أن خزائن حكومات الدول الأفريقية تفقد سنويا ما قدره 148 مليار دولار بسبب الفساد.

وحسب نشرية للبنك الدولي؛ فقد ساهم الفساد في تحويل 400 مليار دولار من أموال القارة السمراء إلى حسابات وعقارات في الخارج، منها 100 مليار دولار متأتية من نيجيريا لوحدها.

من التراكيب والصيغ الشائعة في هذا المقال: الظرف والنعت واسم التفضيل.

الظرف
* اسم يدل على مكان حدوث الفعل أو زمانه مثل:  بدأ يُدار من زوجة مغرورة ومتهورة بعد أن صارت ظروفه الصحية والبدنية لا تؤهله لقيادة البلد، وبعد اتساع الهوة بينه وبين رفاقه.

* حكم الظرف هو النصب، وهناك ظروف مبنية (مثل: منذُ، حيثُ، أمسِ...) تعرب في محل نصب.

النعت
* النعت اسم أو تركيب يبين صفة في اسم قبله مثل: تتجه أنظمة سياسية أفريقية للقطيعة مع الفساد.

* يتبع النعت للمنعوت في الإعراب (رفعا ونصبا وجرا)، والتعريف والتنكير، وفي العدد والتذكير والتأنيث غالبا.

* والنعت يكون مفردا ويكون جملة وشبه جملة. ويشترط في النعت الجملة وشبه الجملة أن يكون المنعوت نكرة.

 مثال: استطاع بخاري كسر مجابهة الفساد، في بيئة تمتلئ بمفردات الفساد.

 

اسم التفضيل
اسم التفضيل صيغة مشتقة تدل على تفوّق الموصوف بها في صفة أو عمل معيّن مثل: الاتحاد الأفريقي أكبر هيئة جامعة للأفارقة.

* يأتي اسم التفضيل على وزن "أَفْعَل" للمذكر (مثل أكبر، أعظم، أكثر) وعلى وزن "فُعْلَى" للمؤنث (مثل كبرى، صغرى، عظمى).

 

سل الأستاذ Ask the Teacher
نص Text
فيديو Video
ارفع ملفا Upload a file
اختر ملفا من جهازك
Select the file in your computer
للاستفادة من هذه الخدمة الرجاء الدخول عن طريق Sign in with
​مفردات وعبارات
- أمر حاسم: أمر قاطع صارم لا تردد فيه.
- القطيعة: إنهاء العلاقة.
- التبعات (جمع تَبِعَة): الأمور التي تترتب على فعل أمر معين.
- المجابهة: المواجهة والمقاومة.
- بيئة موبوءة: بيئة ينتشر فيها الوباء، والوباء هنا مستعمل مجازا ويقصد به الفساد.
- الغَبْن: الظلم وعدم العدل.
- دحر العدوّ: هزيمته.
- الداء: المرض.
- الشفافية: اتباع معايير واضحة وعادلة في الحكم والتسيير.
- البُؤَر (جمع بُؤْرَة): أمكنة التجمّع والتمركز.
- تحجّج بالأمر: جعله حجّة ووسيلة.
- أفضى إلى الشيء: أدى إليه وانتهى إليه.
- حاجز الخوف: ما يخيف الناس ويمنعهم من التعبير عن آرائهم.
- من الجدير بالذكر: من الأحق بالذكر والأوْلى أن يُذكَر.
- الزمرة الحاكمة: الجماعة الحاكمة القائمة على السلطة.
مواد أخرى More