لما ذا أَهْوَى القراءة؟


أول ما يخطر على البال -حين يوجَّه هذا السؤال إلى مشتغل بالكتابة- أنه سيقول: إنني أهوى القراءة لأنني أهوى الكتابة!

ولكن الواقع أن الذي يقرأ ليكتب وكفى هو كاتب "بالتبعيّة"، وليس كاتبا بالأصالة!

فلو لم يسبِقْه كُتّاب آخرون لما كان كاتبا على الإطلاق!

وأنا أعلم فيما أَعْهَد من تجارِبي أنني قد أقرأ كُتُبا كثيرة لا أقصِد الكتابة في موضوعاتها على الإطلاق.

وأذكر من ذلك أن أديبا زارني فوجد على مكتبي بعض المجلّدات في غرائز الحشرات!

فقال مستغربا: ومالك أنت وللحشرات؟ إنك تكتب في الأدب وما إليه، فأي علاقة للحشرات بالشعر والنقد والاجتماع؟

ولو شئت لأطلت في جوابه، ولكنّني أردت أن أَقْتضِب الكلام بفُكاهة تبدو كأنها جواب وليس فيها جواب!

فقلت: نسيتَ أنني أكتب أيضا في السياسة؟

قال: نعم نسيت، والحق معك! فما يستغني عن العلم بطبائع الحشرات رجل يكتب عن السياسة والسياسيين في هذه الأيام!

كذلك لا أحب أن أجيب عن السؤال كما أجاب قارئ التاريخ في البيت المشهور:

ومن وَعَى التاريخَ في صدره    أضاف أعمارا إلى عُمْره!

فليست إضافة أعمار إلى العمر بالشيء المهم إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون العمر المضاف مقدارا من الحياة لا مقدارا من السنين، أو مقدارا من مادة الحِسّ والفكر والخيال لا مقدارا من أخبار الوقائع وعددِ السنينَ التي وقعت فيها.

كلا! لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب.

وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياةً واحدةً في هذه الدنيا، وحياةٌ واحدةٌ لا تكفيني ولا تحرّك كل ما في ضميري من بواعث الحركة.

والقراءة دون غيرها هي التي تُعْطِي أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تُطِيلها بمقادير الحساب.

فكرتك أنت فكرة واحدة.

شُعورك أنت شعور واحد.

خيالك أنت خيال فَرْدٌ إذا قصَرْته عليك.

ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعورا آخرَ، أو لاقيت بخيالك خيالَ غيرِك، فليس قُصارى الأمرِ أن الفكرة تُصْبِح فكرتين، أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين. كلا!

وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئاتٍ من الأفكار في القوة والعمق والامتداد.

والمثل على ذلك محسوس في عالم الحس والمشاهدة، ومحسوس في عالم العَطْف والشعور.

ففي عالم المشاهدة يجلس المرء بين مِرْآتَيْنِ فلا يرى إنسانا واحدا أو إنسانين اثنين، ولكنه يرى عشراتٍ تتلاحق في نظره إلى غاية ما يبلغه النظر في كل اتجاه.

وفى عالم العطف والشعور نبحث عن أقوى عاطفة تحتويها نفس الإنسان فإذا هي عاطفة الحب المتبادل بين قلبين.

لماذا؟

لأنهما لا يُحِسّان بالشيء الواحد كما يُحِسّ به سائر الناس.

لا يحسان به شيئا ولا شيئين، وإنما يُحِسّان به أضعافا مضاعفةً لا تزال تتجاوب وتنمو مع التجاوب إلى غاية ما تتسع له نفوس الأحياء.

هكذا يصنع التقاء مِرْآتين، وهكذا يصنع التقاء قلبين!

فكيف بالتقاء العشرات من المَرائي النفسية في نطاق واحد؟

وكيف بالتقاء العشرات من الضمائر والأفكار؟

إن الفكرة الواحدة جدول منفصل، أما الأفكار المتلاقية فهي المحيط الذي تتجمّع فيه الجداول جميعا.

والفرق بين الأفكار المتلاقية وبين الفكرة المنفصلة، كالفرق بين الأُفْق الواسع والتيار الجارف وبين الشط الضيِّق والمَوْج المحصور!

قد تختلف الموضوعات ظاهرا أو على حسب العناوين المصطلح عليها، ولكنك إذا رددتها إلى هذا الأصل كان أبعدُ الموضوعات كأقرب الموضوعات من وراء العناوين!

أين غرائز الحشرات مثلا من فلسفة الأديان؟

وأين فلسفة الأديان من قصيدة غزل أو قصيدة هجاء؟

وأين هذه القصيدة أو تلك من تاريخ نهضة أو تاريخ ثورة؟

وأين ترجمة فرد من تاريخ أمة؟

ظاهر الأمر أنها موضوعات تفترق فيما بينها افتراقَ الشرق من الغرب والشمال من الجنوب!

وحقيقة الأمر أنها كلَّها مادة حياة، وكلها جداول تنبثق من يَنبوع واحد وتعود إليه.

غرائز الحشرات بحث في أوائل الحياة.

وفلسفه الأديان بحث في الحياة الخالدة الأبدية.

وقصيدة الغزل أو قصيدة الهجاء قبسان من حياة إنسان في حالي الحب والنِّقمة.

ونهضه الأمم أو ثورتها هما جيشان الحياة في نفوس الملايين.

وسِيرة الفرد العظيم مَعْرِضٌ لحياة إنسان مُمْتاز بين سائر الناس.

وكلها أمواج تتلاقى في بحر واحد، وتخرج بنا من الجداول إلى المحيط الكبير.

ولم أكن أعرف حين هَوِيتُ القراءة أنني أبحث عن هذا كله، أو أن هذه الهِوايَة تصدر من هذه الرغبة.

ولكنني هَوِيتُها ونظرت في موضوعات ما أقرأ، فلم أجد بينها من صلة غير هذه الصلة الجامعة، وهي التي تتقارب بها القراءة عن فَرَاشة، والقراءة عن المعري وشكسبير!

لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني!

فمهما يأكل الإنسان فإنه لن يأكل بأكثر من مَعِدَة واحدة، ومهما يلبسْ فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما يتَنَقّلْ في البلاد فإنه لن يستطيع أن يَحُلّ في مكانين!

ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع أكثر من حياة في عمر واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله، كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل وتتضاعف الصورة بين مِرْآتَيْن.

المصدر:

كتاب "أنا" للعقاد (ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد).

دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى 1982.

ص 102-106 (بتصرف يسير).

روابط التعليل
من الروابط اللفظية الواردة في هذا النص روابط التعليل، ووظيفتها الأساسية إيضاح أسباب الفعل.

ومن أكثرها استعمالا: كَيْ، ولام التعليل، وصيغة المفعول لأجله، مثل: 

- سيقول: إنني أهوى القراءة لأنني أهوى الكتابة.

- العقاد ينفي أنه يقرأ كي يكتب.

- ويقول إنه يقرأ استجابةً لدواعي الفكر والمعرفة.

أغراض الاستفهام
وظيفة الاستفهام الأساسية وغرضه الأصلي طلب الإخبار (ويسمى عند ذلك الاستفهام الحقيقي)، وقد يخرج عن هذا الغرض إلى أغراض بلاغية تفهم من السياق ورد منها في هذا النص:

الاستنكار (الاستغراب) مثل: ومالك أنت وللحشرات؟

النفي (الاستبعاد) مثل: فأي علاقة للحشرات بالشعر والنقد والاجتماع؟

التقرير (الإثبات) مثل: فكيف بالتقاء العشرات من المَرائي النفسية في نطاق واحد؟

سل الأستاذ Ask the Teacher
نص Text
فيديو Video
ارفع ملفا Upload a file
اختر ملفا من جهازك
Select the file in your computer
للاستفادة من هذه الخدمة الرجاء الدخول عن طريق Sign in with
مواد أخرى More