لماذا يدرسون العربية؟

الحاجة إلى التعلّم هي حاجة فطرية ركّبها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، وإن كانت حاجات التعلم تختلف عن بقية الحاجات الأخرى المركبة في الإنسان من حيث كونها حالة داخلية في النفس تدفع المتعلّم إلى التعلّم، والإقبال عليه بنشاط واستمرارية حتى يستطيع أن يتعلم ما يسعى إلى تعلمه.

ولتصميم أيّ برنامج تعليمي ناجح لا بدّ أن يكون قائما على النظر في احتياجات الطلبة الدارسين ودوافعهم من عملية التعلم حتى ينسجم المنهج مع أهداف التعليم، ومن المعلوم أنّ الدوافع والأهداف تختلف باختلاف الهدف من التعلم كما تتأثر في أحيان كثيرة بمتغيرات متعددة من بينها الجنس والعمر والبيئة والدين والعادات والتقاليد.

وتحديد الحاجات التعليمية يأتي قبل تصميم البرنامج أو المنهج التعليمي مع تحليل الدوافع والقيام بما يحتاجه الطلبة من اللغة، ومن ثم ترتيب تلك الحاجات وفق الأولويات[1]. ويتم استقراء آراء الطلبة الدارسين أنفسهم من خلال مجموعة من الأدوات والمقاييس، منها المقابلات الشخصية مع الدارسين، ووضع الاستبانات ومقاييس الاتجاهات.

والكشف عن الدافعية إلى التعلم هو هدف من أكبر الأهداف التي ينبغي السعي إلى تحقيقها[2]، وعادة ما تنقسم تلك الدوافع إلى نوعين كبيرين هما:

1- الدافع الداخلي: وهنا تكون أهمية التعلم والهدف الذي يقف وراءه نابع من المتعلم نفسه، وهذا لا يعني أنه لا يحتاج إلى عوامل، أو دوافع خارجية للتأثير فيه سلبا أو إيجابا، وهذا ما يسميه الخبراء الاستثارة وهي أفضل طريقه لاكتساب التعلم والإفادة منه.

2- الدوافع الخارجية: وهي كثيرة، وتتباين تباينا كبيرا جدا، وتعرّف بأنّها الدوافع التي لا تنبع من نفس المتعلم بل من محفّزات خارجية مثل الحصول على الدرجات، أو التكريم، أو عبارات الثناء، أو إرضاء الآباء وغيرهم من المحيطين بالمتعلم[3].

وسواء أكان الدافع داخليا أم خارجيا فإنّ مصمم البرامج والمناهج الدراسية يجب أن لا يغفلها من حسبانه قبل وأثناء وضع البرامج لأنّ تلك الدوافع ستكون العامل الأهم في تحسين الرغبة نحو التعلم، فلذلك ليس بغريب أن يبدأ أيّ برنامج بتحديد احتياجات الدارسين، والمتدربين الذين سيخضعون لدراسته حتى نستطيع تحقيق إشباع حاجاتهم بهذا البرنامج التعليمي أو التدريبي[4].

ومن هذه المناهج -بطبيعة الحال- مناهج اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ حيث يجب أن تنسجم مع حاجات الدارسين للعربية بوصفها لغة ثانية، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ لأنّنا نصمّم المناهج للمتعلمين أنفسهم وليس لأنفسنا؛ لذلك فإنّ معرفة تلك الحاجات والدوافع تساعد كثيرا في تخطيط المناهج وبنائها من حيث[5]:

1- تحديد الغايات والأهداف من جرّاء تعليم اللغة العربية.

2- الاستمرار أو التوقّف عن تنفيذ البرنامج التعليمي.

3- المساعدة في تطوير البرنامج وملاحظة أخطائه ونقاط ضعفه.

4- ملاءمة الخبرات اللغوية مع خصائص وفئات الدارسين.

5- وضع وتحديد الخبرات اللغوية وفق مفهومي التنوّع والتدرّج.

6- مساعدة الدارسين على مواجهة المشكلات التعليمية التي تواجههم[6].

 وكل ذلك نابع من أنّ تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يراعي وجود علاقة بين الطلبة والمناهج، أو البرامج التعليمية. وقد وجدت بعض الدراسات والأبحاث التي حاولت تحديد تلك الحاجات، أن من أبرز الأهداف العامّة التي تقف وراء تعلّم الطلبة للعربية:

1- حاجات وأهداف تتعلق بالاهتمامات والميول والاتجاهات.

2- حاجات وأهداف تتعلق بالمعارف والحقائق التي يرغب الطلبة في تعلمها.

3- حاجات وأهداف تتعلق بالمهارات التي يريد الطلبة إتقانها[7].

وإذا كانت أهداف وحاجات الدارسين مهمة في وضع المناهج بشكل عام، فإنّها أكثر أهمية في تصميم مناهج اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ لأنّ الدارسين للغة العربية من غير الناطقين بها عادة ما تدفعهم جملة من الأهداف والحاجات لتعلم العربية منها مثلا الأهداف الدينية؛ فكثير من المسلمين من غير العرب يودّون إتقان العربية حتى يقرؤوا القرآن الكريم، ويفهموا سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتعاملوا مع الفقه والعقيدة وغيرها من متعلقات الدين الإسلامي الحنيف، ومن تلك الأهداف أيضا الأهداف السياسة، والاقتصادية، والسياحية، والبحثية، وغيرها كثير، فإن لم يستطع المنهج تلبية تلك الحاجات أدى ذلك إلى انصراف الطلبة عن الدراسة لأنهم لم يجدوا فيها حاجاتهم وأهدافهم التي يبحثون عنها.

فتعلّمُ اللغة العربية يجب أن ينسجم مع طبيعتها، فاللغة ظاهرة اجتماعية، والطلبة ينشؤون في الأوساط الاجتماعية فيتأثرون بنفس الظواهر التي تتأثر بها اللغة؛ لذلك كان لا بد من استشارة الطلبة فيما يتعلمونه وبناء مناهج تناسب خصائصهم الاجتماعية. ومن هذا المنطلق نبدأ في تصميم برامج خاصة ودقيقة وموجّهة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أو ما يعرف بتعليم اللغة العربية لأغراض خاصة من خلال مواد محددة وفق تحليل مسبق لحاجات المتعلمين[8]. كما يجب أن يدرك المعلّم أنّ له الحرية الكاملة في تصميم المواد والأنشطة والتمارين الداخلية للدروس بما يناسب المواقف التعليمية وحاجات الطلبة الذين يتعامل معهم، فيكون محرّكه الأساسي في كل ما يشرحه ويقدمه لهم هو تحقيق أهدافهم ورغباتهم من تعلم اللغة العربية.

وإذا أدركنا أنّ أيّ تصميم لبرنامج لغوي يجب أن يسبقه تلمّس لحاجات الدارسين، فإنه يمكننا معرفة تلك الحاجات من خلال جملة من الأدوات والمقاييس ومنها:

1- تصميم الاستبانات ومقاييس الاتجاهات: ومن ثم تحليل تلك الاستبانات والمقاييس لنستطيع تحديد أهدافهم وأغراضهم من الدراسة.

2- الخبرة: وهي المعرفة والدراية المتولّدة من عاملي الاحتكاك والزمن معًا؛ فخبرة واضعي المناهج الطويلة في التعامل مع الطلبة وتصميم المناهج تساعدهم كثيرا على تحديد حاجات الدارسين، وقد طبّق أحد الباحثين دراسة أجراها على عدد كبير من الطلبة بلغ عددهم 1673 طالبا وطالبة وأثبت من خلالها وجود تشابه كبير بين أهداف وحاجات الطلبة، وبين تلك الأهداف والحاجات التي يرسمها المعلمون والمختصون[9].

3- الإفادة من رأي المختصين والخبراء، ومن ذلك الإفادة من دراسات وأبحاث علماء النفس الذين تكلموا عن حاجات الدارسين حسب خصائصهم العمرية أو الجنسية، وكذلك الدراسات والأبحاث التي اقترحها المختصون بناء على خبراتهم الطويلة.[10] 

 

[1]انظر: رشدي أحمد طعيمه، تعليم العربية لأغراض خاصة، ص 10.

[2] لطفي محمد فطيم، نظريات التعلم المعاصر (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية) ص 77، 78.

[3]المرجع السابق، ص 79 - 80.

[4] تغريد مالك جليدان، دراسة وصفية للحاجات التعليمية وقياس مدى الرضا عنها لدى الطالبة الجامعية بالمدينة المنورة، جامعة طيبة، دراسة مرفوعة على الإنترنت بنفس العنوان، ص 2، 3، شاهدها الباحث بتاريخ 19 / 2 / 2017.

[5] الموقع التربوي للدكتور وجيه المرسي أبو لبن، أساس تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، شوهد بتاريخ 19 / 2 / 2017م.

[6]تغريد مالك جليدان، دراسة وصفية للحاجات التعليمية وقياس مدى الرضا عنها لدى الطالبة الجامعية بالمدينة المنورة، جامعة طيبة، ص 3.

[7] رحاب زناتي عبد الله، تحليل احتياجات المتعلمين مدخل لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لأغراض خاصة، ص 3.

[8]صالح محجوب التنقاري، اللغة العربية لأغراض خاصة اتجاهات جديدة وتحديات، ص3.

[9] Hurst, Mary Mack, Do Teacher Know What Students Want to Learn, A needs Assessment of Adult Students of English as A second Language . ED. D, 1985 Dissertation,V,46 . No 9 March

[10] رحاب زناتي، تحليل احتياجات المتعلمين مدخل لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لأغراض خاصة، ص 5.