مرسوم بتعيين خليفة!

هذا مَا عَهِد عليُّ بْنُ أحمد المعروف بعَليّكا إلى عليّ بْن عُرس الموصليِّ حين استخلفه على إحياء سنته، واستنابه في حفظ رسومه من التطفيل على أهل مدينة السَّلام، وما يتصل بها من أكنافها وأطرافها؛ لما تَوَسّمه فيه من حسن اللّقْم وجَوْدة الهضْم، ولما رآه أهلا له من هذه الرفاهية المُهمَلة، وتلك النِّعَم المُطّرَحة العائدة على لابسها بملاذّ الطُّعوم ومناعم الجُسوم!

آمره أن يتأمل اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه، وينظر فيه نظر الباحث غيرِ المقلِّد؛ فإن كثيرا من الناس قد استقبح التطفيل ممن فعله، وكرهه لمن استعمله؛ غلطا في الاستدلال وإساءة في المقال!

......

 وقد ذهبت طائفة إلى أن المِنّة في المطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب للوارد الواغل.

وقد عُرِفت هذه الطائفة بالتطفيل، ولا عار في ذلك عند ذوي التحصيل؛ لأنه مشتق من الطَّفَل وهو وقت المساء وأوانُ العَشاء، فلما كثر استُعمِل في أوّل النهار وآخِره!

وآمره أن يتعهّد موائد الكبراء والأمراء؛ فإنه يَظْفَر منها بالغنيمة الباردة والغريبة النادرة، ويجد فيها من طرائف الألوان، وبدائع الطُّعوم السائغة في الحلقوم، ما لا يجد عند غيرهم!

وآمره أن يتتبّع ما يعرض لمُوسِري التُّجّار من ولائمَ وأعراسٍ؛ فإنهم يُوَسّعون على أنفسهم في النوائب، وربما صبروا على تطفيل المتطفلين، وأغضوا على تهجُّم الواغلين!

وآمره أن يَنصِب الأرْصاد على منازل المغنّيات والمغنّيين، فإذا أتاه خبر لمَجْمَع يضمهم أو مَأْدُبة تعمُّهم؛ ضرب إليها أعناق الإبل، وحمل عليها حملة العُقاب الكاسر!

وآمره أن يتجنّب مجامع العوامّ المُقِلّين، ومحافل الرَّعاع المُقْترين؛ فإنها عِصابة يجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، والتجنُّب لها أجدى، والازْوِرار عنها أرجى!

وآمره أَن يَحْزِر الخِوان إِذا وضع، والطعام إِذا نقل، حتّى يعرف بالحَدْس والتقريب، والبحث والتنقيب عدد الألوان في الكَثْرة والقِلّة، وافتنانها في الطِّيب واللذّة؛ فيقدر لنفسه أن يشبَع مع آخرها، وينتهيَ عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يُخْطئه الحظُّ من دقيقها وجليلها؛ فإنه إِذا فعل ذلك سلِم من عواقب الأغمار الذين يَكُفّون تظرُّفا، ويُقِلّون تأدُّبا، ثم لا يلبثون أن يَخْجَلوا خَجْلةَ الواثق، وينقلبوا بحَسْرة الخائب، أعاذنا اللَّه من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جُدودهم!

وآمره أن يَرُوض نفسه ويغالط حِسّه، ويضربَ عن كثير ممّا يَلْحَقُه صَفْحا، ويَطْوِيَ دونه كَشْحا، ويستحسنَ الصّمَم عن الفحشاء، ويُغْمِض عن اللفظة الخَشْناء.

وإِذا لقِيَه لاقٍ بالجَفاء، قابله باللُّطْف والصَّفاء؛ فإنه إذا طال المدى تكرّرت الألحاظ عليه فعُرِف، وأنِسَت النفوس به فأُلِف!

ولقد بلغَنا أن رجلا من هذه العِصابة، كان ذا فهم ودراية، وعقل وحَصافة، تطفّل على وليمة، لرجل ذي حال عظيمة، فرمَقتْه العيون، ورجَمتْه الظُّنون!

فَقَالَ لَهُ قائل مِنْهُم: من تكون أعزّك اللَّه؟

فَقَالَ: أنا أوّل من دُعِي إلى هذا الحق!

قيل: وكيف ذلك، ونحن لا نعرفك؟

فقال: إِذا رأيتُ صاحب الدار عرّفته بنفسي!

فلما جاء صاحب الدار بدأه صاحبنا بالسلام، وقال له:

هل قلتَ، أيّدك اللَّه، لطبّاخك أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعُوّين؟

فقال: نعم!

قال: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وهي رزق أنزله اللَّه على يدك!

فقال: مرحبا بك، وأهلا وقربا، والله لا جلستَ إلا مع عِلْيَة الناس، ووُجُوه الجُلَساء!

فليكن ذلك الرجل لنا إماما نقتدي به، وحاديا نحدو على مثاله!

هذا عهدي إليك وحُجّتي عليك، فكن بأوامره مؤتمرا، وبزواجره مُزْدَجِرا، ولرسومه متّبعا، والسلام عليك ورحمة الله.

*النص مأخوذ بتصرف من الكتب التالية:

-التطفيل وحكايات الطُّفيْلِيّين للخطيب البغدادي، طبعة القدسي

ص 99-104.

-صبح الأعشى (المطبعة الأميرية بالقاهرة 1919)

ج 14 ص 360-365.

-نِشوار المحاضرة، تحقيق الشالجي

ص 155-161.

دلالات الجمل 

* تفيد الجملة الاسمية في الغالب ثبوت الحكم بلا تجدد، فإذا قلنا مثلا إن القمر بازغ، أو إن الشمس ساطعة، فإننا لا نزيد على إثبات بزوغ القمر، أو سطوع الشمس في وقت محدد.

* أما الجملة الفعلية فغالبا ما تدل على الاستمرار والتجدد، خاصة إذا كان الفعل مضارعا؛ فحين نتأمل قول الكاتب: "آمره أن يتأمّل اسم التطفيل ومعناه" نجد أنه آثر أن يعبر بالمضارع لما يفيده من تجدد المعنى واستمراره؛ فكأنه يقول: آمره أمرا بعد أمر، وأشدد عليه أن يديم التأمل في معنى التطفيل، ويكرر النظر في جوانبه المختلفة وأبوابه المتفرقة.. إلخ. 

إعراب الجمل

تقع الجملة أحيانا موقع اسم مفرد وتؤدي وظيفته النحوية فتعرب إعرابه، حيث تكون: مبتدأ أو خبرا، أو فاعلا، أو مفعولا به، أو نعتا، أو حالا.

ومن أمثلة ذلك في هذا النص: 

- وقوع الجملة خبرا لأحد النواسخ مثل: فإنّ كثيرا من الناس قد استقبح التطفيل ممن فعله.
فجملة "قد استقبح التطفيل" في محل رفع خبر "إنّ".

- وقوع الجملة مفعولا به مثل: فيقدر لنفسه أن يشبَع مع آخرها
فجملة "أن يشبَع مع آخرها" في محل نصب مفعول به للفعل "فيقدر".

- وقوع الجملة نعتًا مثل: فإذا أتاه خبر لمَجْمَع يضمّهم
فجملة "يضمّهم" في محل جر نعت لـ"مجمع".

- وقوع الجملة حالا مثل: قيل: وكيف ذلك ونحن لا نعرفك؟.

فجملة "ونحن لا نعرفك" في محل نصب حال.

سل الأستاذ Ask the Teacher
نص Text
فيديو Video
ارفع ملفا Upload a file
اختر ملفا من جهازك
Select the file in your computer
للاستفادة من هذه الخدمة الرجاء الدخول عن طريق Sign in with
اللغة
رسومه: معالم مذهبه.

عَهِد: أوصى.

التطفيل: حضور الولائم من غير دعوة إليها.

مدينة السلام: بغداد.

أكنافها: ضواحيها.

لِمَا توسّمه فيه: لما رآه وتخيّله فيه.

المُطّرحة: المتروكة.

مَلاذُّ الطُّعُوم: لذائذها وأطايبها، والطُّعوم الأطعمة.

الوارد الواغل: المقتحم على القوم شرابَهم من غير إذن منهم.

الغنيمة الباردة: الغنيمة في الأصل ما يؤخذ من المحاربين قهرا. والمقصود هنا الفوز بلذائذ الطعام بلا مشقة.

أن ينصِب الأرصاد: أن يضع الحُرّاس.

ضرب إليها أعناق الإبل: رحل إليها.

حَمْلَة العُقاب الكاسر: هجوم العُقاب المنقضّ على فريسته.

المُقِلّين: الفقراء.

الرَّعاع المقترين: العوام المُعْوِزين.

الازورار: الميل والابتعاد.

أن يَحْزِر الخِوان: الحَزْر التقدير والتخمين، والخِوان المائدة.

الأغمار: جمع غُمْرٍ، وهو الجاهل الغِرّ الذي لم يجرب الأمور.

وعَصَمنا من شقاء جدودهم: الجدود هنا الحظوظ.

أن يضرب صفحا ويطوي كشحا: أن يعرض عن الأمر ويتجاهله.

رمقتْه العيون: نظرتْ إليه بحدة واستغراب.

رجمتْه الظُّنون: قذفته بالشرور والمنكرات، وهو تعبير مجازي.

مواد أخرى More