مرسوم بتعيين خليفة!

12A24E2E-9921-4200-B0FD-893FDE51A2D1.jpeg
المتقدمAvancé

هذا مَا عَهِد عليُّ بْنُ أحمد المعروف بعَليّكا إلى عليّ بْن عُرس الموصليِّ حين استخلفه على إحياء سنته، واستنابه في حفظ رسومه من التطفيل على أهل مدينة السَّلام، وما يتصل بها من أكنافها وأطرافها؛ لما تَوَسّمه فيه من حسن اللّقْم وجَوْدة الهضْم، ولما رآه أهلا له من هذه الرفاهية المُهمَلة، وتلك النِّعَم المُطّرَحة العائدة على لابسها بملاذّ الطُّعوم ومناعم الجُسوم!

آمره أن يتأمل اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه، وينظر فيه نظر الباحث غيرِ المقلِّد؛ فإن كثيرا من الناس قد استقبح التطفيل ممن فعله، وكرهه لمن استعمله؛ غلطا في الاستدلال وإساءة في المقال!

......

 وقد ذهبت طائفة إلى أن المِنّة في المطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب للوارد الواغل.

وقد عُرِفت هذه الطائفة بالتطفيل، ولا عار في ذلك عند ذوي التحصيل؛ لأنه مشتق من الطَّفَل وهو وقت المساء وأوانُ العَشاء، فلما كثر استُعمِل في أوّل النهار وآخِره!

وآمره أن يتعهّد موائد الكبراء والأمراء؛ فإنه يَظْفَر منها بالغنيمة الباردة والغريبة النادرة، ويجد فيها من طرائف الألوان، وبدائع الطُّعوم السائغة في الحلقوم، ما لا يجد عند غيرهم!

وآمره أن يتتبّع ما يعرض لمُوسِري التُّجّار من ولائمَ وأعراسٍ؛ فإنهم يُوَسّعون على أنفسهم في النوائب، وربما صبروا على تطفيل المتطفلين، وأغضوا على تهجُّم الواغلين!

وآمره أن يَنصِب الأرْصاد على منازل المغنّيات والمغنّيين، فإذا أتاه خبر لمَجْمَع يضمهم أو مَأْدُبة تعمُّهم؛ ضرب إليها أعناق الإبل، وحمل عليها حملة العُقاب الكاسر!

وآمره أن يتجنّب مجامع العوامّ المُقِلّين، ومحافل الرَّعاع المُقْترين؛ فإنها عِصابة يجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، والتجنُّب لها أجدى، والازْوِرار عنها أرجى!

وآمره أَن يَحْزِر الخِوان إِذا وضع، والطعام إِذا نقل، حتّى يعرف بالحَدْس والتقريب، والبحث والتنقيب عدد الألوان في الكَثْرة والقِلّة، وافتنانها في الطِّيب واللذّة؛ فيقدر لنفسه أن يشبَع مع آخرها، وينتهيَ عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يُخْطئه الحظُّ من دقيقها وجليلها؛ فإنه إِذا فعل ذلك سلِم من عواقب الأغمار الذين يَكُفّون تظرُّفا، ويُقِلّون تأدُّبا، ثم لا يلبثون أن يَخْجَلوا خَجْلةَ الواثق، وينقلبوا بحَسْرة الخائب، أعاذنا اللَّه من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جُدودهم!

وآمره أن يَرُوض نفسه ويغالط حِسّه، ويضربَ عن كثير ممّا يَلْحَقُه صَفْحا، ويَطْوِيَ دونه كَشْحا، ويستحسنَ الصّمَم عن الفحشاء، ويُغْمِض عن اللفظة الخَشْناء.

وإِذا لقِيَه لاقٍ بالجَفاء، قابله باللُّطْف والصَّفاء؛ فإنه إذا طال المدى تكرّرت الألحاظ عليه فعُرِف، وأنِسَت النفوس به فأُلِف!

ولقد بلغَنا أن رجلا من هذه العِصابة، كان ذا فهم ودراية، وعقل وحَصافة، تطفّل على وليمة، لرجل ذي حال عظيمة، فرمَقتْه العيون، ورجَمتْه الظُّنون!

فَقَالَ لَهُ قائل مِنْهُم: من تكون أعزّك اللَّه؟

فَقَالَ: أنا أوّل من دُعِي إلى هذا الحق!

قيل: وكيف ذلك، ونحن لا نعرفك؟

فقال: إِذا رأيتُ صاحب الدار عرّفته بنفسي!

فلما جاء صاحب الدار بدأه صاحبنا بالسلام، وقال له:

هل قلتَ، أيّدك اللَّه، لطبّاخك أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعُوّين؟

فقال: نعم!

قال: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وهي رزق أنزله اللَّه على يدك!

فقال: مرحبا بك، وأهلا وقربا، والله لا جلستَ إلا مع عِلْيَة الناس، ووُجُوه الجُلَساء!

فليكن ذلك الرجل لنا إماما نقتدي به، وحاديا نحدو على مثاله!

هذا عهدي إليك وحُجّتي عليك، فكن بأوامره مؤتمرا، وبزواجره مُزْدَجِرا، ولرسومه متّبعا، والسلام عليك ورحمة الله.

*النص مأخوذ بتصرف من الكتب التالية:

-التطفيل وحكايات الطُّفيْلِيّين للخطيب البغدادي، طبعة القدسي

ص 99-104.

-صبح الأعشى (المطبعة الأميرية بالقاهرة 1919)

ج 14 ص 360-365.

-نِشوار المحاضرة، تحقيق الشالجي

ص 155-161.