غزة: مبادرات لا تعيقها الحرب
في غَزَّةَ حَربٌ صَعبَةٌ مُنذُ أَكثَرَ مِنْ سَنَتَينِ. البُيُوتُ مُهَدَّمَةٌ، لَكِنَّ الحَيَاةَ لا تَتَوَقَّفُ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعمَلُونَ لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ: يُوزِّعُونَ طَعَامًا للفُقَرَاءِ، وَيَنقُلُونَ ماءَ الشُّربِ، وَيَجمَعُونَ الدَّوَاءَ، وَيُسَاعِدُونَ الأَطفَالَ، وَيُنَظِّفُونَ الشَّوَارِعَ، وَيُقَدِّمُونَ مُسَاعَدَاتٍ نَفسِيَّةً لِلمُحتَاجِينَ.
مِن هَذِهِ المَشَارِيعِ "روضةُ ومدرسةُ الجنانِ الحديثةُ" الَّتِي بَدَأَتْهَا الدِّكتُورَةُ رِنَاد الحِلِو بَعدَ أَنْ هَدَمَ الاِحتِلَالُ مَدرَسَتَهَا. قَالَتْ: "بَدَأتُ مِنَ الصِّفرِ. لَمْ يَكُن لَدَينَا مَبنَىً، كُنَّا نُدَرِّسُ فِي أيِّ مَكَانٍ آمِنٍ، تَحتَ الشَّمسِ أَو فِي المَطَرِ، نَجلِسُ عَلَى الأَرضِ بِلَا أَدَوَاتٍ، وَبَعضُ الأَطفَالِ اِستُشهِدُوا، لَكِنَنَا لَم نَتَوَقَّفْ".
"كُنَّا نُرِيدُ أَن يَحُسَّ الأَطفَالُ أَنَّ التَعلِيمَ مُمْكِنٌ وَأَنَّ هُنَاكَ مَن يَهتَمُّ بِهِمْ. نَحلُمُ أَنْ نَبنِيَ مَدرَسَتَنَا مِن جَدِيدٍ وَنَفتَحَ فُرُوعَاً فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَالتَّعلِيمُ مُهِمٌّ لِلبَقَاءِ". غَزَّةُ مَكَانٌ فِيهِ أَمَلٌ؛ فَكُلُّ عَمَلٍ صَغِيرٍ، مِثلَ تَوزِيعِ المَاءِ أَو تَعلِيمِ الأَطفَالِ، هُوَ مُقَاوَمَةٌ لِلحَربِ، وَيَرتَفِعُ صَوتُ أَهلِ غَزَّةَ: نَعِيشُ، لِأَنَّنَا نَتَسَاعَدُ.
تعيشُ غزةُ حربًا منذُ أكثرَ منْ عامينِ، لكنْ رَغمَ الدمارِ والنارِ يواصلُ أهلُها بناءَ الحياةِ من جديدٍ. يَظهرُ ذلكَ في المشاريعِ الشعبيةِ الّتي توفّرُ الطعامَ والماءَ والدواءَ، وتدعمُ الأطفالَ والنازحينَ نفسيًا، وتنظّفُ الشوارعَ، وتبحثُ عن حلولٍ إبداعيةٍ للخروجِ منَ الأزمةِ.
من أبرزِ هذهِ المشاريعِ "روضةُ ومدرسةُ الجنانِ الحديثةُ" الذي أطلقَتْهُ الدكتورةُ رناد الحلو بعدَ تدميرِ مدرستِها قبلَ افتتاحِهَا. تقولُ رناد: "بدأْنَا من لا شيء، وفقدْنَا كُلَّ شيءٍ، لكننَا قرّرْنَا إنقاذَ الأطفالِ نفسيًا وتعليميًا. عملْنَا في أيِّ مكانٍ آمنٍ، تحتَ الشمسِ أو المطرِ، دونَ أدواتٍ مدرسيةٍ. استُشهدَ بعضُ الأطفالِ، لكننَا لم نتوقفْ".
"تشاركَ الجميعُ: الأهالي والمعلماتُ؛ لأنَّ التعليمَ في هذهِ الظروفِ مقاوَمةٌ. ما زلْنَا نحلمُ بإعادةِ بناءِ مدرستِنَا وتوسيعِها في كلِّ مخيمٍ". ما يحدثُ في غزّةَ ليسَ مجردَ محاولةٍ للبقاءِ على قيدِ الحياةِ، بل إعادةُ بناءِ معنى الحياةِ نفسِهَا. فكلُّ مشروعٍ صغيرٍ هوَ مقاومةٌ وتأكيدٌ على أنَّ الغزّيّينَ موجودونَ ويصنعونَ مستقبلَهم رَغمَ كلِّ شيءٍ.
في قطاع ينهشه الحصار وتغمره النيران لما ينوف عن عامين من حرب الإبادة، تنهض غزة من تحت الركام بما تبقى من إرادة في قلوب أبنائها لإطعام الجائعين، ونقل المياه، وتوفير الحليب للأطفال، والمساعدة في الدعم النفسي للنازحين، وابتكار حلول ريادية لتجاوز الكارثة. من بين هذه النماذج تبرز مبادرة "روضة ومدرسة الجنان الحديثة" التي أطلقتْها الدكتورة رناد الحلو وسْط فوضى النزوح.
تقول الدكتورة رناد: "بدأت من العدم؛ فقدت مؤسستي الكبيرة التي قصفتْ قبل افتتاحها، لكنني شعرت أن علينا إنقاذ أطفالنا من الضياع النفسي والتعليمي، فبدأت منْ جديد في أي مساحة آمنة، كنا نعمل تحت الشمس أو المطر، بلا قرطاسية ولا حماية؛ بعض الأطفال استشهدوا، لكننا واصلْنا العمل لأن الاستسلام يعني موتا آخر. المبادرة منحتْ الأطفال شعورا بأن التعليم ما زال ممكنا، وأن هناك من يهتم بهمْ، حتى المعلمات النازحات تطوعْن منْ تلقاء أنفسهن".
"نحن ما زلنا نحلم بإعادة بناء مؤسستنا الأصلية، فالتعليم بالنسبة لنا ليس رفاهية، بل علاج جماعي للبقاء". في النهاية، لا يمكن اختزال ما يحدث في غزة بمعادلة البقاء فقطْ، بل هو شكل منْ أشكال إعادة تعريف الحياة نفسها، فكل مبادرة تمثل تحديا ضد المنطق الذي أراد للغزيين أن يختفوا، ومنْ بين الركام، ينبعث صوتها واضحا: نحيا.. لأننا نبادر.