صناعة الكلام وسياسة الإبداع

1F0943F7-4F24-48AE-9BFA-37EFE8CC3AE4.jpeg
المتقدمAvancé


مرَّ بِشْرُ بنُ المعتمِر بإبراهيم بن جَبَلة بن مَخْرَمة السَّكونيِّ الخطيبِ، وهو يعلِّم فتيانهم الخَطابة، فوقف بِشر فظنّ إبراهيمُ أنّه إنّما وقَفَ ليستفيد أو ليكونَ رجلا من النَّظّارة.

فقال بِشر: اضربُوا عمّا قالَ صَفْحًا واطوُوا عنه كَشْحًا، ثمّ دَفَع إليهم صحيفةً من تحبيره وتنميقه، وكان أوّلها:

خُذْ من نفسِك ساعةَ نشاطِك وفراغِ بالك وإجابتِها إياك، فإنّ قليل تلك الساعةِ أكرَمُ جوهرًا، وأشرَفُ حسَبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلَى في الصدور، وأسلَمُ من فاحش الخَطَاءِ، وأجْلَبُ لكلِّ عين وغُرّةٍ، مِن لفظٍ شريفٍ ومعنًى بديع.

وإياك والتوعُّرَ، فإنّ التوعُّر يُسلمِكُ إلى التعقيد، والتعقيدُ هو الذي يَستهْلكُ معانِيَكَ، ويَشين ألفاظَك.

ومن أَرَاغَ معنًى كريما فليلتمِسْ له لفظا كريما؛ فإنّ حقَّ المعنى الشريفِ اللفظُ الشّريف، ومن حقِّهما أن تصونَهما عما يُفسدُهما ويُهجِّنُهمَا.

فكُن في ثلاثِ منازلَ:

-أولاها أن يكون لفظُك رشيقا عَذْبا، وفَخْما سهلا، ويكونَ معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، إمَّا عند الخاصّة إن كنتَ للخاصّة قصَدت، وإمَّا عند العامّة إنْ كنتَ للعامّة أردت.

والمعنى ليس يشرُف بأن يكونَ من معاني الخاصَّة، وكذلك ليس يتَّضع بأن يكون من معاني العامَّة، وإنّما مَدارُ الشّرَف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافَقَة الحال، وما يجب لكلّ مَقام من المقال، وكذلك اللفظ العامّيّ والخاصّيّ؛ فإنْ أمكنَكَ أن تَبلُغ من بيان لسانك، وبلاغةِ قلمك، ولُطف مَدَاخلك، واقتدارِك على نفسك، إلى أن تُفْهِمَ العامَّةَ معانيَ الخاصَّة، وتكسُوَ معانيَك الألفاظَ الواسطة التي لا تَلطُف عن الدَّهْماء، ولا تَجفُو عن الأَكْفاء، فأنت البليغ التامّ.

-فإن كانت المنزلةُ الأولى لا تُواتيك ولا تَسنَح لك عند أوَّل نظَرك وفي أول تكلُّفك، وكنت تجد اللّفْظةَ لم تقع موقعَها ولم تَصِرْ إلى قرارها وإلى حقِّها من أماكنها المقسومة لها، والقافيةَ لم تحُلَّ في مركزها وفي نِصابها، ولم تتَّصل بشكلها، وكانت قلقةً في مكانها، نافرةً مِن موضعها، فلا تُكْرِهْها على اغتصاب الأماكن، والنزولِ في غير أوطانها.

فإنّك إذا لم تَتَعاطَ قرضَ الشّعر الموزون، ولم تتكلَّفْ اختيارَ الكلام المنثور، لم يَعِبْك بترك ذلك أحد.

فإنْ أنتَ تكلّفتهما ولم تكن حاذقا مطبوعا ولامُحْكِما لشأنك، بصيرا بما عليك وما لَكَ، عابَكَ مَن أنت أقلُّ عيبا منه، ورأى مَن هو دونَك أنّه فوقَك!

فإن ابتُليت بأنّ تتكلَفَ القولَ، وتتعاطى الصنْعةَ، ولم تسْمح لك الطِّباعُ في أوّل وَهلة، وتَعصَّتْ عليك بَعْدَ إجالة الفكرة، فلا تعجَلْ ولا تضْجَر، ودَعْهُ (أي القول) بياضَ يومك وسوادَ ليلتِك، وعاوِدْه عند نشاطِك وفراغِ بالك؛ فإنَّك لا تَعدِم الإجابَة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعةٌ، أو جرَيْتَ من الصِّناعة على عِرْق.

- فإن تمنّعَ عليك بعدَ ذلك من غير حادث شُغلٍ عَرَضَ، ومن غير طول إهمال؛ فالمنزلةُ الثّالثةُ أن تتحوَّلَ من هذه الصناعة إلى أشْهَى الصناعاتِ إليك، وأخفِّها عليك؛ فإنَّك لم تشتهها ولم تنازِعْ إليها إلاّ وبينَكما نَسبٌ.

والشّيءُ لا يحِنُّ إلاّ إلى ما يُشاكلُه، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات؛ لأن النفوسَ لا تجود بمكْنونها معَ الرّغْبة، ولا تسْمح بمخزونها مع الرّهْبة، كما تجود به مع الشَّهوة والمحبّة، فهذا هذا!

 المصدر:

البيان والتبيين للجاحظ (بتصرف)

-عبد السلام هارون: 1/135-138

-حسن السندوبي: 1/104-106.