قصة الصِّفْرِد والأرنب

لغة عامة | المتوسط الأعلى

حدّث الغرابُ قال: كان لي جار من الصَّفارِد، في أصل شجرة قريبة من وَكْري وكان يُكْثِر مُوَاصلتي، ثم فَقَدته ولم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك.
فجاءت أرنب إلى مكانه فسكنت فيه، فكرهت أن أخاصمها في ذلك، ولست أدري ما فعل الدهر بالصِّفْرِد.

فلبِثت الأرنب في ذلك المكان زمانا، ثم إن الصفرد عاد بعد غياب طويل فأتى منزله فوجد فيه الأرنب، فقال لها: هذا المكان لي، فانتقلي عنه.

قالت الأرنب: المسكن لي، وتحت يدي وأنت مُدّعٍ له، فإن كان لك حقٌ فاسْتَعْدِ عليّ!

قال الصِّفْرِد: المكان مكاني، ولي على ذلك البيَّنَةُ.

قالت الأرنب: نحتاج إلى القاضي قبل البينة.

قال الصفرد: القاضي مِنّا قريب فتعالَيْ بنا إليه.

قالت الأرنب: ومن القاضي؟

قال الصِّفْرِد: إن بساحل البحر سِنَّوْرا متعبِّدا، يصوم النهار ويقوم الليل كُلَّه، ولا يؤذي دابّةً، ولا يُريق دما، عَيْشُه من الحشيش ومما يَقْذِفُ إليه البحر. فإن أحبَبْتِ تحاكَمْنا إليه ورَضِينا به.

قالت الأرنب: ما أرْضاني به إذا كان كما وصفْتَ!

قال الغراب: فتبعتهما لأنظر إلى حُكْم هذا الصَّوّام القَوّام!

فلما بَصُرَ السِّنَّوْر بالأرنب والصِّفْرِد مُقْبِلَيْنِ نحوه، انتصب قائما يصلي، وأظهر الخشوع والتّنَسُّك!

فعجِبا لما رأيا من حاله واقتربا منه هائبَيْنِ له، وسلّما عليه وسألاه أن يقضيَ بينهما، فأمرهما أن يَقُصّا عليه القِصّة، ففعلا.

فقال لهما: قد أدْرَكَنِي الكِبَرُ وثَقُل سَمْعي فما أكاد أسمع، فاقترِبا مني وأسْمعاني ما تقولان!

فاقتربا منه وأعادا عليه القصة، وسألاه الحُكْم.

فقال: قد فهمت ما قلتما، وأنا بادئ بالنصيحة قبل القضاء؛ فآمُرُكما بتقوى الله وألا تطلبا إلا الحق؛ فإن طالب الحق هو الذي يُفْلِح وإن قُضِيَ عليه، وطالب الباطل مَخْصُوم وإن قُضِىَ له. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء، لا مالٌ ولا صديقٌ، إلا عملٌ صالح يقدّمه، والعاقل حقيق أن يكون سعيُه في طلب ما يبقى ويعود بالنفع.

ثم إن السِّنّوْر لم يزل يقصّ عليهما ويحدثهما حتى أنِسا إليه، وأقبلا عليه، واقتربا منه، ثم وثب عليهما فقتلهما!

المصدر

كَلِيلَة ودِمْنَة ترجمة عبد الله بن المقفع (بتصرف).

-مؤسسة هنداوي (تحقيق عبد الوهاب عزام) ص 142-143.

-دار الكتب العلمية (ضمن آثار ابن المقفع) ص 162-163.